يسعى التخطيط الاستراتيجي ـ من خلال الإحصاء مثلا ـ لتوفير البيانات كتمهيد للسياسات والبرامج الاجتماعية العمومية و”إغناء النقاش العمومي الوطني.” في هذا الاطار، كما ذكر به السيد شكيب بنموسى، يندرج هذا المقال الذي نستهله ببعض تائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 :
الهرم السكاني ينعكس: يسجل الهرم العمري اتجاها عكسيا يتسم بانخفاض نسبة الشباب دون سن 15 عاما من 28.2% عام 2014 إلى 26.5% عام 2024؛ ونسبة السكان من سن العمل (15 إلى 59 سنة) من 62.4% في عام 2014 إلى 59.7% عام 2024 . هو إذن اتجاه نحو تشكلة غير معتاذة في السابق، من خلال زيادة نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر من 9.4% عام 2014 إلى 13.8% عام 2024. وتعكس هذه الديناميكية تسارع شيخوخة السكان، وهي ظاهرة تحدث تحولا عميقا في البنية الديمغرافية.
النمو الديموغرافي يتباطأ: نمو السكان بمتوسط سنوي قدره 0.85%، وهو أقل بكثير من معدل 1.25% المسجل بين عامي 2004 و2014 . ومستوى الخصوبة في حدود1.97 وهو أقل من عتبة استبدال الجيل أي 2.1 طفل لكل امرأة.
التعليم والصحة في تحسن : ارتفاع معدل التحاق الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و11 سنة بالمدارس من 94.5% عام 2014 إلى 95.8% عام 2024. كما ان39.1% من نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 25 عامًا فأكثر وصلوا على الأقل إلى مستوى التعليم الثانوي الجامعي. ووصل معدل الأمية إلى 24.8%، مقارنة بـ 32.2% قبل عشر سنوات. وأخيرا سجل أن ما يقرب من سبعة من كل عشرة أشخاص لديهم تغطية صحية 70) %).
تكاثر السكن وتقلص مساحته: ارتفعت نسبة الأسر الحضرية التي تشغل مساكن بها غرفة إلى غرفتين من 35.7% عام 2014 إلى 43.5% عام 2024، بينما انخفضت نسبة الأسر التي تشغل مساكن بها 3 غرف على الأقل بمقدار 64.3% إلى 56.5.
وبالمقابل، فالبطالة قارة ـ بل ومضطرة ـ في صفوف حاملي الشهادات، إذ تراجع معدل النشاط (41.6% سنة 2024 ) مقارنة مع 47.6% عام 2014 كما ارتفع معدل البطالة من 16.2% إلى 21.3% بين عامي 2014 و 2024.
النمو الاقتصادي والتضخم في تموج، والتحضر في تغول؛ إذ بلغ وزن السكان المقيمين في المناطق الحضرية 62.8% عام 2024، مقارنة بـ 60.4% عام 2014.
بإيجاز، المجتمع المغربي في تحول مضطرد؛ لكن نحو ماذا؟
الارقام كالأحلام، يمكن ان يقوِّلها المرء ما يريد. صحيح ان البنيات التحتية في شتى انواعها تعرف حركية مرئية وسريعة في المدن الكبرى ومحاورها الرئيسية. صحيح ان النساء أصبحن يرأسن خمس الاسر المغربية20 %. وفي أعقاب هذه التطورات، ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 16.2% عام 2014 إلى 19.2% عام 2024. وتعكس هذه الزيادة تطورات كبيرة في الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، وكذلك في ديناميات الأسرة في المناطق الحضرية. وصحيح أن الاعاقة تتقلص مقارنة مع العشرية السابقة. . .
هذا على الاقل ما صرح به المندوب السامي للتخطيط أمام وسائل الإعلام، لكن للعملة وجه اخر. وجه الاقتصاد والسياسة الاقتصادية. حيث لازلنا رهيني الناتج الداخلي الخام الفلاحي (PIBA) وغير الفلاحي (PIBNA) .
ورغم ان التغيرات المناخية اصبحت رفيقنا في الحياة اليومية في كل تفاصيلها؛ بل وتهددنا بالعطش في كل وقت وحين. رغم كل ذلك لازلنا نتحدث عن الفلاحة بنفس الاليات، لازلنا نصدِّر الحوامض والخضروات المنهكة للمخزون الإيكولوجي وللفرشة المائية لبلدنا.
نتحدث عن تحلية مياه البحر لكن هلا تساءلنا عن نتائجها هي كذلك. ألن تصبح البحار أكثر ملوحة فتهدد بالنتيجة ثرواتنا البحرية؟ الن تنهكنا الطاقة المستعملة في ذلك؟
هل المغربي يعي كل جهود الدولة في العصرنة الاقتصادية والتنظيمية؟ هل المغربي مشبع اليوم بآليات المواطنة التي تستوجب احترام الواجبات قبل المطالبة بالحقوق؟
هل نعي جيدا أن الضامن لكل الجهود ـ التي نفتخر بها على كل حال ـ هو الاحتكام لعقد المواطنة الكاملة واللا مشروطة؟
هل تمكنا من اقناع كل طاقات هذا البلد الامين ان تَقَدُّمَهُ مرتبط ومرهون بالإيمان به وبنقاء ترابه؟
هل اوقفنا نزيف الهجرة بكل اشكالها؟
هل المدرسة المغربية توحد بالقيم الوطنية كل المتمدرسين أغنياء كانوا أم فقراء، اطفالا ام طفلات، في المدن ام في القرى، في السهل او في الجبل؟
هل نعي، كل من جهته، ان المشاركة في البناء فرض عين لا كفاية؟
هل رمينا خلفنا منطق’’ انا ومن بعدي الطوفان؟
هل؟ هل؟ وهل؟
قد يقول قائل من أصحاب النفوس الضعيفة أننا هنا نبخس ما ينجز وما يتحقق؛ قد يزايد متزلف ويعتبر هذه الصرخة إساءة وتطاول، لكنني اقول واعيد وسأبقى أردد ما حييت ألا أحد يحترم نفسه يكون بطلا ضد بلده!
لا أتطاول ولا أزايد، أحب هذا الوطن حتى النخاع! أتألم لألم نملة في أي شبر من ربوع هذا الوطن الحبيب، وأفرح بالمقابل وأفتخر بنجاح أي ممن أشاركهم الانتماء لمملكة تشق طريقها بثبات. لكن من حق المُحِبِّ أن يتمنى الاجمل للحبيب/ للوطن!
من حقي بل ومن واجبي ان اعترف اننا قمنا ـ نعم قمنا لأنه مجهود جماعي ـ قمنا بالكثير، لكن الكثير لازال ينتظر. لا ينتظر المسؤول دون المواطن لا يهمُّ الرئيس دون المرؤوس لأننا شركاء في الحق كما في الواجب. لان الدين لله والوطن للجميع!
وعاشت المملكة المغربية حرة ابية بين الاقوام والشعوب!
ودام لنا العز كمغاربة ما دمنا له أهلًا!
*أستاذة جامعية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس







