تستمر ردود الفعل على مقطع الفيديو الذي بثه الصحافي حميد المهداوي ويظهر أعضاء لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية بالمجلس الوكني للصحافة، في لحظة مداولات اعتبرتها أوساط مهنية وحقوقية «صادمة» و«مهينة»، لتتوسع دائرة الانتقادات وتصل هذه المرة إلى حزب سياسي معارض وجمعية حقوقية، دقّا معاً ناقوس الخطر بشأن ما اعتبراه «انزياحاً خطيراً» في طريقة تدبير قطاع الصحافة والنشر بالمغرب.
وفي أقل من48 ساعة، أفرزت التسريبات التي كشف عنها المهداوي سيلاً من البيانات الرافضة، وسط دعوات متزايدة لفتح تحقيق عاجل وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات بما يعيد الثقة في مؤسسات يفترض أنها وُجدت لحماية الصحافيين لا لتجريدهم من الضمانات الأساسية.
الحزب الاشتراكي الموحد اعتبر التسريبات «فضيحة مهنية وسياسية مكتملة الأركان» كشفت، حسب بيانه، غياب شروط المحاكمة العادلة داخل اللجنة، بدءاً من الحق في الدفاع، مروراً بالحياد والاستقلالية، وصولاً إلى حضور غرباء داخل المداولات، وهي معطيات وصفها الحزب بأنها «ترقى إلى أفعال جرمية» لا يمكن التغاضي عنها.
البيان، الموقع باسم الأمين العام جمال العسري، شدّد على أن الألفاظ المتداولة في التسجيلات لا تسيء فقط إلى الصحافي حميد المهداوي، بل تمس أيضاً المكانة الاعتبارية لهيئة الدفاع، وهو ما يستوجب تدقيقاً قضائياً ومساءلة سياسية.
وفي لهجة لا تخلو من الاتهام المباشر، حمّل الحزب مسؤولية ما وقع للحكومة، معتبراً أنها أدارت ملف الصحافة والنشر بمقاربة «أحادية وفوقية» سعت من خلالها إلى تطويع القطاع عبر تعيين أعضاء «موالين» داخل اللجنة المؤقتة، في محاولة—وفق تعبيره—لتحويل السلطة الرابعة إلى امتداد للسلطة التنفيذية.
ودعا المكتب السياسي للحزب إلى حل اللجنة فوراً، وإلغاء جميع القرارات التي أصدرتها منذ تعيينها، بدعوى انعدام الحياد والمصداقية، كما طالب بآلية جديدة للدعم العمومي تقوم على الشفافية والديمقراطية، وبسحب مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة الذي يواجه رفضاً واسعاً داخل الجسم المهني.
من حهته اعتبر بيان صاجر عن الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب أن ما تضمنته التسريبات «انحراف خطير» عن المهام المفترض أن تضطلع بها مؤسسة عمومية تعنى بصون حرية الصحافة. الجمعية وصفت ما جرى بأنه «فضيحة أخلاقية وقانونية» تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية، مشيرة إلى أن الخطاب المهين الوارد في الاجتماع يمس الثقة العامة ويضرب مبادئ دستورية تتعلق بحرية التعبير واحترام حقوق المحامين والصحافيين على حد سواء.
ولم يكتفِ بيان الجمعية بالتنديد، بل ذهب أبعد من ذلك حين حذّر مما وصفه بـ«أسلوب المؤامرة والانتقام المجاني»، منتقداً ما اعتبره توظيفاً انتقائياً للمساطر القانونية وتلميحات خطيرة إلى إقحام الجهاز القضائي في تصفية حسابات مهنية، وهو ما يضرب، وفق تعبيرها، أساس الفصل بين السلط واستقلالية القضاء. وطالبت بتشكيل تحقيق نزيه وشفاف يكشف الملابسات كاملة، مع دعوة الهيئات المهنية والحقوقية إلى التكتل للدفاع عن حرية الصحافة وصون حقوق من تعتبرهم فاعلين أساسيين في معركة الدفاع عن الديمقراطية.
وبين الموقفين الحزبي والحقوقي، يبدو أن التسريبات لم تعد مجرد «واقعة معزولة» بل تحولت إلى نقطة تماس بين أزمة ثقة داخل الجسم الصحافي وأخرى داخل مؤسسات الدولة، في لحظة سياسية حساسة يعاد فيها النقاش حول مستقبل المجلس الوطني للصحافة وآليات تنظيم القطاع. ومع اتساع دائرة الانتقادات، تتجه الأنظار نحو السلطات الحكومية لمعرفة ما إذا كانت ستتجاوب مع مطالب التحقيق والحل وإعادة الهيكلة، أم ستتعامل مع هذه الهزة باعتبارها حدثاً عابراً لا يستدعي مراجعة شاملة.







