في الوقت الذي تحاول فيه حكومة أخنوش ترويج برنامج دعم السكن كقصة نجاح تمتد على خريطة البلاد، تكشف معطيات ميدانية عن واقع أكثر قتامة مما تقدّمه العروض الرسمية. فاعتراف فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أكتوبر المنصوري بأن الدعم المباشر للسكن “فشل” في العالم القروي لم يكن – وفقا لمصادر مطلعة – مجرد جملة عابرة، بل أشبه بإعلان سقوط نموذج سياسي وإداري ظل يُقدَّم لسنوات باعتباره الحل السحري لأزمة السكن.
المصادر ذاتها وصفت هذا الاعتراف بأنه “متأخر وبلا شجاعة كاملة”، معتبرة أن القطاع كان يعلم منذ الشهر الأول لتفعيل البرنامج أن شروطه التقنية والقانونية ستغلق الباب في وجه آلاف الأسر القروية، لكن الخطاب الرسمي فضّل التمسك بـ“أرقام النجاح الحضري” لإخفاء العجز القروي.
وتذهب المصادر نفسها إلى أن ما وقع ليس تعثراً ظرفياً، بل نتيجة حتمية لتصميم برنامج حضري بحت، حاولت الوزارة فرضه على فضاءات قروية لا تشترك مع المدن في شيء، لا من حيث نماذج الملكية ولا تقاليد البناء ولا حتى الولوج إلى المرافق الإدارية.
الأرقام التي أعلنتها الحكومة نفسها تؤكد أن الوضعية لا تحتاج إلى تبرير إضافي. 66,305 مستفيد فقط مقابل ما يقرب من 200 ألف طلب، ونسبة شبه منعدمة في القرى، لم تتجاوز 3 آلاف أسرة.
مصادر مهنية وصفت هذه الأرقام بأنها “خرقٌ واضح لأولويات السياسة العمومية”، لأن القرى هي الأكثر هشاشة والأقل استفادة من المشاريع الكبرى، ومع ذلك ظل الدعم عالقاً في مكاتب التحفيظ ودهاليز الوكالات الحضرية في الرباط والدار البيضاء ومراكش.
ويؤكد خبراء في قطاع التعمير أن الوزارة “زرعت شروطاً مستحيلة” في أرض غير قابلة لاستيعابها، بدءا من اشتراط التحفيظ العقاري في مناطق لا تزال فيها الملكية جماعية أو عرفية، وصولاً إلى فرض تصاميم هندسية تستنسخ منطق المدينة داخل الدواوير.
وتشبير المصادر إلى أن “مكتباً واحداً للوكالة الحضرية يغطي أحياناً عشرات الجماعات، وهو ما يجعل التنقل أشبه برحلة عقاب لأسرة تبحث فقط عن ورقة أو توقيع”.
ورغم محاولة الوزيرة “فاطمة المنصوري” إطفاء الحريق بإعلان برنامج جديد “مخصص للعالم القروي”، الا أن مصادر في القطاع تعتبر أن الخطر يكمن في إعادة تدوير نفس المقاربة بمسميات مختلفة، وأن المطلوب ليس برنامجاً جديداً بقدر ما هو ثورة قانونية تسمح بتبسيط مساطر البناء، والاعتراف بأشكال الملكية التقليدية بمنظور حديث، وإحداث أجهزة للقرب تتعامل مع الواقع القروي كما هو، لا كما تتخيله مكاتب الرباط.
المصادر نفسها شددت على انه أنه حتى في المدن، الصورة ليست وردية كما تحاول الحكومة تسويقها، إذ أن البرنامج وعوض توفير سكن لذوي الدخل المحدود، ساهم في المقابل في رفع أسعار العقار بشكل لافت، ما يعني أن الدعم الذي حصل عليه المواطن ذهب في نهاية المطاف إلى جيوب المنعشين العقاريين. ويعتبر هؤلاء أن الدولة قادت أكبر عملية تحويل غير مباشرة للمال العام نحو القطاع العقاري، بينما كان يفترض أن تصل المساعدات إلى الفئات الهشة لا إلى الشركات الكبرى.
وبين خطاب رسمي يُسَوَّق على أنه إنجاز، وواقع ميداني يشير إلى اختلالات هيكلية، ترى المصادر أن برنامج دعم السكن لن يدخل سجل النجاحات إلا إذا تم تفكيكه وإعادة بنائه وفق فلسفة مختلفة جذرياً. ففي القرى، حيث الحاجة أشد، لا تزال الأسر تنتظر، بينما تكتفي الحكومة بالحديث عن “نوايا الإصلاح” بدل إعلان خطط واضحة وملزمة.







