لا يوجد مغربي ليس له ذكريات مع “القامرة”، محطة الحافلات الشهيرة في حي يعقوب المنصور، لذلك يصعب تخيّل الرباط من دون هذه المعلمة التاريخية، التي أحيلت على التقاعد منذ سنوات، بعد أن خضعت العاصمة لعمليات تجميل مكثفة، وغيّرت أثاثها، ولم تعد بحاجة إلى “عصّارة ليمون” قديمة، تركن فيها الحافلات الذاهبة لجهات المملكة الأربع. مؤخرًا جرى الحديث عن إمكانية هدم “القامرة”، ولو حدث ذلك ستكون جريمة متكاملة الأركان، كما جرى حديث آخر عن إمكانية تحويلها إلى مكتبة أو مركز ثقافي أو متحف، وذلك عين العقل.
عندما كان المغرب بالأبيض والأسود، و”الساتيام” هو “البراق”، كان “الكار” وسيلة النقل الأكثر رواجا بين السكان البسطاء، وكان المرور من “القامرة” ضروريا لكل من يدخل أو يخرج من العاصمة. المحطة تشبه غار نمل يعجّ بالحركة، وحواليها تنتشر المقاهي والمطاعم الشعبية والتاكسيات البيضاء والزرقاء، وبائعو البيض سخون ومادلين وأشرطة الوعظ وعذاب القبر والمراهم التي تداوي كل الأمراض… ونظرا لقرب “القامرة” من مدينة العرفان، كان الحيّ يعج بالطلاب، لأن معظم الوافدين على العاصمة من أجل الدراسة، إذا لم يسعفهم الحظ في ولوج الحي الجامعي، يكترون غرفا في “القامرة” بأسعار مناسبة، لذلك كانت مقاهي الحي تبقى مفتوحة حتى الساعات الأولى من الصباح، زبائنها من المسافرين والطلبة الأفاقيين، الذين لايتوقفون عن الاستعداد للامتحانات…
الرباط مدينة الغرباء، حتى سكانها الأصليون ليسوا أصليين تماما : من يسمون بالرباطيين أو “مسلمين الرباط” هم أحفاد الموريسكيين، الذين طردوا من الأندلس في القرن السادس عشر. وأينهم الآن؟ انقرضوا تقريبا، ذابوا وسط جحافل الوافدين من كل جهات المملكة، والدليل أنك نادرا ما تسمع اللهجة الرباطية القحّة في أحياء العاصمة، بما فيها المدينة العتيقة.
بالنسبة لكثير من المغاربة، الرباط هي “القامرة”، لذلك يعتبر الحفاظ على “عصّارة الليمون” احتراما للذاكرة المشتركة، رغم أن تاريخها ليس ورديا، المكان يختزل غير قليل من العنف والاحتيال. تصل إلى باب المحطة ويلتف حولك أشخاص يبيعون تذاكر لكل الوجهات، تسألهم عن الساعة التي سيخرج فيها “الكار”، فيردون بحماس: “دابا، دابا”، لكن بعد أن تقتني التذكرة على عجل، تكتشف أن حافلتك لن تغادر قبل عشر ساعات، وأن هناك حافلات أخرى تقلع قبلها لنفس الوجهة، لكنك اشتريت التذكرة الغلط… ولا تقبل منك شكاية، كما هو مكتوب على ظهر الورقة. لذلك كانت المشاحنات رياضة شعبية في “القامرة”، وجزء لا يتجزأ من المشهد. ما إن تدخل إلى المحطة حتى تكتشف عراكا بالأيدي وتسمع شتائم نابية وملاسنات حادة … حرب لا تتوقف في بهو المحطة ومكاتبها الكئيبة وأمام الحافلات المهترئة، وداخلها طبعا. لم يكن ركوب “الكار” سفرا عاديا بل عملية احتجاز، بمجرد ما تصعد لا تعرف نفسك هل أنت مسافر أم رهينة بين يدي “الشيفور” ومرافقه، “الگريسون” وما أدراك ما “الگريسون”، مهنته أن ينهر المسافرين، ويصفعهم إن اقتضى الأمر، وأن يردّد عبارته الشهيرة : “رول ما عندو باگاج”… وهو يضرب بيده على مؤخرة الحافلة، كلما أخذ راكبا جديدا في الطريق. عدد المسافرين يتجاوز دائما عدد الأمكنة، مما يجعلهم يتكدسون مثل البهائم في الممر الفاصل بين المقاعد. الجشع والاحتقار. كم من مواطن تعرض للشتم والصفع والضرب المبرح، فقط لأنه قصد المحطة كي يركب حافلة لزيارة أهله أو العودة إلى مدينته بعد قضاء غرض إداري في العاصمة. إذا دخلت إلى المحطة وسألت شخصا عن معلومة، يصفعك قبل أن يجيبك على السؤال، لأنك ما دمت وصلت إلى هنا، فأنت جدير بالصفع… هذه هي القاعدة. الحقيقة أن “القامرة” رمز من رموز سنوات الرصاص في مجال النقل، لذلك ينبغي تحويلها إلى متحف… متحف للصفع والركل والتقرفيد، مع جناح خاص بتقنيات النصب والاحتيال !
رولْ ما عندو باگاج!







