تشهد خريطة تهريب الكوكايين نحو أوروبا تحولات متسارعة، بعدما برزت دول غرب إفريقيا، وعلى رأسها السنغال، كمحور رئيسي في مسارات الاتجار الدولي بالمخدرات، في ظل اعتماد الشبكات الإجرامية على موانئ المنطقة وحدودها البرية لإعادة توجيه الشحنات القادمة من أمريكا اللاتينية نحو الأسواق الأوروبية.
وفي تقرير مطول، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن السنغال لم تعد مجرد محطة عبور، بل أصبحت منصة لوجستية متقدمة لشبكات تهريب الكوكايين، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على المحيط الأطلسي وقربها من أوروبا، فضلاً عن تشعب المسالك البحرية والبرية التي تربطها بدول الجوار.
وبحسب التقرير، فإن ميناء داكار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر النقاط التي تستقطب اهتمام شبكات التهريب، ما دفع السلطات السنغالية إلى تشديد عمليات المراقبة والتفتيش باستعمال فرق متخصصة وكلاب مدربة، في مواجهة محاولات متكررة لإخفاء الكوكايين داخل الحاويات أو نقله عبر قوارب سريعة، بل وحتى بواسطة غواصات شبه مغمورة.
ولا تعتمد هذه الشبكات، وفق الصحيفة، على الأساليب التقليدية فقط، بل طورت وسائل معقدة للتمويه، من بينها إدخال المخدرات إلى حاويات تحمل وثائق سليمة فيما يعرف بتقنية “Rip-on/Rip-off”، أو إذابة الكوكايين داخل مواد سائلة قبل استخلاصه لاحقاً داخل مختبرات سرية، ما يعكس مستوى عالياً من الاحتراف والتنظيم.
ويأتي هذا التطور في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن نحو نصف الكوكايين القادم من أمريكا اللاتينية قد يمر عبر غرب إفريقيا بحلول سنة 2030، بعدما أصبحت المنطقة تشكل بديلاً مفضلاً للعصابات الدولية لتفادي تشديد الرقابة على الموانئ الأوروبية.
ويؤكد هذا التحول الارتفاع اللافت في كميات الكوكايين المحجوزة داخل المنطقة، إذ انتقلت من بضعة أطنان سنوياً قبل عام 2018 إلى أكثر من 30 طناً خلال سنة 2025، مع تسجيل توجه متزايد نحو استعمال المسالك البرية بين دول غرب إفريقيا لتجاوز الرقابة المفروضة على الموانئ.
ولم تعد المنطقة مجرد نقطة لإعادة شحن المخدرات، إذ كشف التقرير عن ظهور مختبرات سرية داخل السنغال لمعالجة الكوكايين وإعادة تهيئته قبل تصديره، بعد تفكيك مواقع في منطقتي نغابارو سنة 2021 وبوبنغين سنة 2024، وهو ما يعكس انتقال جزء من عمليات التصنيع إلى داخل القارة الإفريقية.
كما أشار التقرير إلى تنامي حضور شبكات إجرامية عابرة للحدود، من بينها المافيا الإيطالية “ندرانغيتا” ومجموعات تنشط في منطقة البلقان، والتي باتت تسعى إلى التحكم في مختلف حلقات سلسلة التهريب، انطلاقاً من أمريكا اللاتينية وصولاً إلى أوروبا، بالاعتماد على شركاء محليين وشبكات لوجستية تمتد عبر عدد من الدول الإفريقية.
وتحذر “لوموند” من أن تداعيات هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على تهريب المخدرات نحو الخارج، بل بدأت تنعكس أيضاً على المجتمعات المحلية، بعدما بقي جزء من الكوكايين داخل المنطقة وتحول إلى مادة للاستهلاك المحلي أو إلى مخدر “الكراك” منخفض التكلفة، وهو ما ساهم في اتساع دائرة الإدمان، خاصة في الأحياء الهشة.
وفي المقابل، بدأت تظهر مواد أكثر خطورة، من بينها مخدر “كوش” الذي يحتوي على مركبات أفيونية شديدة التأثير، وسط مخاوف من تحوله إلى أزمة صحية وأمنية في حال توسع إنتاجه وانتشاره داخل المنطقة.
ويأتي هذا التحول في وقت تؤكد فيه تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تسجيل مستويات قياسية في إنتاج الكوكايين عالمياً، مدفوعة بارتفاع إنتاج أوراق الكوكا في أمريكا الجنوبية، مقابل استمرار نمو الطلب داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما يدفع الشبكات الإجرامية إلى البحث عن مسارات جديدة أقل خضوعاً للمراقبة.







