الظاهر أن الحكومة غير معنية باستيعاب التجاوب المتنامي مع حملة مقاطعة شركة “دانون” الفرنسية بعد زيادات مفاجئة..
أو أنها تحاول التظاهر بفهم مقاصد دون أخرى مع اقتراب الانتخابات..
وحتى نوفر علينا عناء هذا الكسل العمدي الذي أدمنته، سنقول لها إن حملة المقاطعة التي أُطلقت من جديد هي امتداد لصرخة جماعية سبق وأن كسرت الصمت لتقول: “كفى… لقد تعبنا، وفاض بنا الكيل من جشعكم وتجاهلكم، ولم نعد نتحمل المزيد”.
اليوم صار الغلاء بالمغرب سوطًا يكتوي به الجميع، بل وصار مثل عربة تهوي دون فرامل في منحدر سحيق لتجرف معها سلمًا اجتماعيًا هشًا تبين معدنه مع احتجاجات “جيل زد”.
حملة المقاطعة التي ظهر أنها ستمتد للحوم، هي باختصار، إعلان من الشعب لمن يعنيهم الأمر أنه مستعد من جديد ليصبح لاعبًا أساسيًا في المعادلة، وأنه سحب وكالته، بعد أن فرط الكثيرون في ثقته، واستغلوها أبشع استغلال، إما لتولي المناصب أو لمراكمة الثروة، والإمعان في الريع والنهب والاحتكار، والفساد الذي نخر البلد، وأوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
لقد نجحت حملة المقاطعة الأولى في إرباك بعض الكبار ممن تعنيهم رسالتها.
نقصد بالتحديد من راهنوا على أن الأمر يتعلق بصحوة شعبية مفاجئة سرعان ما ستخبو جذوتها بمرور الوقت، قبل أن يخيب ظنهم، ويتأكد أن الأمر مرتبط بزخم متصاعد يتغذى من غليان اجتماعي يتعاظم يومًا بعد يوم، دون أن تلوح أي بوادر انفراج.. وهو نفس السيناريو الذي أعادت حكومة أخنوش إنتاجه.
حملة المقاطعة الجديدة، التي هي أيضًا رسالة تحذير من الاستمرار في التطبيع مع ثقافة “لفراقشية” التي زرعت حكومة أخنوش جيناتها في كل القطاعات والمجالات.
كما أنها رسالة تقول: كفى من تكريس نفس العبث الذي حكم على المغاربة، ولعقود، بدفع ثمن أعطاب وأخطاء السياسات العمومية من جيوبهم، بل وإرغامهم، فوق ذلك، على الاستسلام لانتهازية اللوبيات وبعض الشركات.
كنا نتمنى، وسط كل السخاء التشريعي والحكومي الهادف لإرضاء الشركات وتطييب خاطرها، لو تبقى القليل لفائدة الشعب الذي سبق وأن خاض حملة مقاطعة للتنبيه إلى أن طاقة الصبر لديه أوشكت على النفاد، في رسالة صريحة للحكومة بأنه لم يعد هناك مجال لاستمرار الاحتكار والنفخ في الأسعار، وأن الوقت حان للقطع مع التواطؤات وإقرار شفافية وتنافسية حقيقية في السوق.
الحكومة، التي انخرط وزراؤها في حملة انتخابية سابقة لأوانها، سبق أن تعهدت باتخاذ إجراءات سريعة لدعم القدرة الشرائية. لكن ما نعاينه اليوم هو أنها تُمعن في تحقيق مصالح اللوبيات التي تجني أرباحًا طائلة…وترفض، بالمقابل، أي تدبير جديد لفائدة جيب المواطن كنخفيض الضريبة على القيمة المضافة.
هذا في الوقت الذي يكتوي فيه المغاربة بنار الغلاء، بعد أن تجاوزت أسعار بعض المواد الاستهلاكية مثيلاتها في دول أوروبية.
اليوم وحسب أرقام رسمية صرحت 78,3 في المائة من الأسر، خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بتدهور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا السابقة… وهو رقم له أكثر من دلالة.
الانبطاح الحكومي أمام الغلاء ومصالح اللوبيات ليس إلا الجزء الظاهر من جبل جليد ترقد تحته حيتان ومصالح كبيرة لا تملك الحكومة جرأة الاقتراب منها، خاصة بعد أن أسقطت شركات المحروقات، ورقة التوت عن رئيس الحكومة، وجعلته عاريًا ومكشوفًا أمام الرأي العام، وما خفي كان أعظم…







