في خضم الجدل المتصاعد داخل قطاع المالية حول مستقبل موظفي القباضات ومعالم الإصلاح الجبائي الجديد، تتكثف المؤشرات على تفاقم حالة القلق المهني والاجتماعي التي يعيشها آلاف الموظفين التابعين للخزينة العامة للمملكة. فبعد أسابيع من الغموض الذي صاحب بدء تنفيذ القانون المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، وما أثارته مذكرة وزارة الداخلية من ارتباك واحتقان، عاد الملف إلى الواجهة مجدداً بعدما دخلت النقابة الوطنية للمالية على خط الأزمة، مطالبة بضمانات صريحة حول المسار المهني لهذه الفئة.
وبحسب مصادر متطابقة داخل القطاع، فإن المخاوف لا تتعلق فقط بنقل بعض الاختصاصات نحو الجماعات الترابية أو إعادة توزيع الأدوار المؤسسية، بل أيضاً بإمكانية التأثير على الوضع الإداري لموظفي القباضات، الذين يصرّ جزء واسع منهم على أن انتماءهم إلى وزارة المالية “خط أحمر” لا يمكن المساس به. هذه المخاوف تضاعفت مع غياب أي تواصل رسمي مباشر من الخزينة العامة للمملكة خلال الأسابيع الماضية، وهو ما أعاد إنتاج توتر قديم بين وزارتي الداخلية والمالية حول من يقود ورش الإصلاح الجبائي ومدى حدود كل طرف.
وانطلاقاً من هذه الأجواء، أكدت مصادر نقابية أن اللقاء الذي جمع وفداً عن النقابة الوطنية للمالية بوزيرة الاقتصاد والمالية حمل تحولاً لافتاً، بعدما قدمت نادية فتاح تطمينات واضحة بشأن حماية المكتسبات المهنية والاجتماعية لموظفي القباضات، مع الإشارة إلى أن تنزيل القانون 25.14 يدخل ضمن سياسة الدولة في اتجاه اللاتمركز الإداري، وأن أي انتقال أو تعديل لن يتم خارج مقاربة مؤسساتية منسقة بين وزارتي المالية والداخلية.
ولم تتبنَّ النقابة الوطنية للمالية، في بلاغها الصادر عقب اللقاء، خطاب التصعيد كما كان متوقعاً، لكنها لم تُخفِ تحفظاتها من غياب قنوات تواصل قبلية، معتبرة أن مذكرة وزارة الداخلية ليوم 11 نونبر – التي دعت الولاة والعمال إلى الشروع في إخلاء بعض مقرات القباضات وتمكين الجماعات من الأنظمة المعلوماتية – صدرت دون استكمال خارطة الطريق التي تعمل عليها المفتشيتان العامتان للمالية والإدارة الترابية. وأكدت النقابة أن هذا الإجراء أحدث “ارتباكاً واسعاً” لدى الموظفين، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية نقل مهام التحصيل أو إعادة انتشار الموارد البشرية خارج الخزينة العامة للمملكة.
ورغم ذلك، ثمّنت النقابة تعهد الوزيرة بإصدار مذكرة تفصيلية في أجل لا يتجاوز أسبوعين، توضح كل الخطوات والتدابير التقنية والتنظيمية المواكبة لتنزيل القانون، مع الانخراط في حوار دائم مع ممثلي الشغيلة المالية. كما أعلنت أنها ستعمل على تفعيل “لجنة يقظة” لمتابعة كل التطورات، ملوّحة بإمكانية اللجوء إلى خطوات نضالية إذا ما تم تسجيل أي مساس بوضعية الموظفين أو محاولة نقلهم قسراً خارج إطار وزارة المالية.
ويأتي هذا التطور في سياق سبق لمصادر مهنية أن وصفته بعودة الصراع الخفي على الصلاحيات بين الداخلية والمالية، خصوصاً بعد توسيع صلاحيات الأولى في مجالات ترتبط بالتحصيل الجبائي المحلي. وفي وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية أن الإصلاح هدفه توحيد الوعاء الجبائي وتجويد المداخيل، ترى النقابات أن هذا التحول يحتاج إلى “ضمانات مؤسسية حقيقية” بشأن وضعية الموظفين، خاصة أولئك الذين قضوا عقوداً طويلة في خدمة الخزينة العامة للمملكة.
وبين حسابات الوزارتين وتخوفات النقابات، يبدو أن الأسبوعين المقبلين سيكونان حاسمين في تهدئة الأوضاع أو إعادة إشعال فتيل الاحتقان داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية في هندسة الدولة المالية.







