في الوقت الذي سبق للوزارة الوصية أن قدمت حصيلة “وردية” عن أداء قطاع الصناعة التقليدية، عاد سؤال كتابي برلماني وجّه النائب عبد القادر لبريكي لوزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني “فاطمة عمور”، ليحذر من “نزيف صامت” يهدد رافعة اقتصادية تشغّل ملايين المغاربة وتختزن ذاكرة البلاد وهويتها.
السؤال البرلماني، الذي حمل نبرة قلق واضحة، رصد مؤشرات حقيقية على انكماش عدد من الفروع، من بينها تراجع قطاع الملابس التقليدية بـ 11,6 في المائة، والأحذية الجلدية بـ9,1 في المائة، فضلاً عن ضمورٍ لافت في الفخار والخشب والزليج البلدي، وكلّها مجالات تُعدّ عصب الصناعة التقليدية ومقياساً لسلامة التحولات الاجتماعية داخل المدن والقرى المغربية.
النائب حمل أيضاً في سؤاله صوت آلاف الحرفيين الذين يشتكون من ضعف التسويق وغياب القدرة على منافسة سلع مستوردة “أقل جودة لكنها تكتسح السوق”، في مفارقة تختزل مأزق القطاع بين الحفاظ على الأصالة ومجاراة متطلبات العصر.
هذا الطرح البرلماني يأتي في لحظة يخيّم عليها خطاب حكومي نقيض تماماً. فقبل فترة قصيرة فقط، قدّمت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور أرقاماً وصفت بـ“القياسية”، مؤكدة أن صادرات الصناعة التقليدية تجاوزت حاجز مليار درهم لأول مرة في 2022 قبل أن ترتفع بـ7 في المائة سنة 2023، وأن رقم معاملات القطاع الناتج عن مبيعات السياح بلغ 10 مليارات درهم العام الماضي. الوزيرة شددت يومها على أن القطاع يعيش “دينامية غير مسبوقة”، وأن الحكومة دفعت بقوة في مسار هيكلته عبر السجل الوطني للصناعة التقليدية الذي يضم أكثر من 300 ألف صانع، ومشاريع دعم الجودة والترويج والعلامات الخاصة بالتصدير.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقبل أسابيع فقط، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية ورشاً رقمياً ضخماً بإحداث متجر إلكتروني خاص بالمنتجات التقليدية، بشراكة مع البنك الشعبي وماستركارد. مشروع وُصف بأنه “ثورة صامتة” ستفتح أمام الحرفيين أبواب السوق الدولية، وتمنحهم حلول أداء وتكوينات رقمية، مع تجريب المنصة في مرحلة أولى في أفق تعميمها وطنياً. كاتب الدولة لحسن السعدي أكد حينها أن “العصرنة ليست خياراً، بل شرط بقاء”، خصوصاً مع استعداد المغرب لاستقبال كأس إفريقيا للأمم ومونديال 2030، حيث سيجد الصانع التقليدي نفسه في الواجهة أمام ملايين الزوار.
غير أن تلك المؤشرات الإيجابية، على أهميتها، لا تلغي واقعاً مرافقاً لا يزال يقض مضجع الفاعلين داخل القطاع. فخلف أرقام التصدير وانتعاش السياحة، يتواصل الضغط على الحرفيين الصغار الذين يعملون خارج شبكات الترويج الكبرى، ويجدون أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع سلع مستوردة تغمر الأسواق بثمن منخفض وجودة لا تخضع دائماً للمراقبة. وهو ما دفع الفريق الحركي إلى مطالبة الوزارة بإجراءات “عاجلة وذات أثر مباشر”، تبدأ بإنعاش الإنتاج وتصل إلى إصلاح الحلقة الأضعف في السلسلة: التسويق ثم التصدير.
وتبدو المفارقة اليوم صارخة بين خطاب رسمي يؤكد على الدينامية وعلى “فتح آفاق جديدة”، وبين شهادات مهنية تتساءل عن قدرة هذا الزخم على الوصول فعلاً إلى الورشات الصغيرة في المدن العتيقة والقرى البعيدة. فالرهان لم يعد فقط حماية المنتج الوطني من منافسة غير عادلة، بل حماية نمط عيش كامل يواجه خطر الاندثار.







