في آخر 100 متر من سباق حكومة المونديال، تطفو من حين لآخر ممارسات تُظهر حقيقة معدننا الحكومي والسياسي، وكيف أنه (المعدن) مطلي بالدمقراطية (برلمان، قضاء، حكومة، مؤسسات…)، بينما لا يزال عمق بلادنا ضاربا في التمخزنيت والبدائية السياسية (عدم مراجعة ولاة الأمر، هيبة الدولة..).
مجموعة أسئلة وتعقيبات أقل ما يقال عنها كونها تهم قضية في غاية البساطة هي القانون الأساسي لمهنة العدول، كانت كفيلة بقلب مجلس النواب رأسا على عقب. وزير ما يُعرف بالعدل المسمى قيد مهامه “وهبي”، انتفض في وجه “كليكة” العدالة والتنمية لمجرد إصرارها على نيل جواب مقنع في الموضوع. “عبد اللطيف” كَشْكَشَ وأزبد ليجد نفسه فجأة وسط فيناء القاعة الأولى كمن يتأهب لجولة مصارعة، بينما تجمعت الجوقة في لحظات ليتدخل رئيس الحكومة (الحقيقي) عبد الوافي لفتيت لإخراج وهبي من الحلبة.
القربلة إذن لم تكن بسبب النقاش حول صرف ميزانية المغاربة 761 مليار درهم، ولا بسبب سحب قانون ملاحقة اللصوص من أين لك هذا؟ لم تكن المشاحنة نتيجة الجدال حول ميزانية القصر ولا قطاع الدفاع، الضرائب أو قانون الاستثمار. العراك لم يكن بين رافضين لقانون العفو عن المعتقلين السياسيين ومؤيدين له، ولا حتى رغبة من فريق برلماني في تقديم الصحة أولا، يليها كأس العالم!!!
وزير العدل، الذي يدعي كونه حداثيا، وهو حقيقة مخزني حتى النخاع، يحسب منصبه الوزاري حصانة تمنحه حق التصرف أنّى شاء وكيف شاء. اليساري (الكونتر بوند) الذي دائما ما يُذكر نفسه بأنه وزير، يعتبر المعارضة كُفرا والنقاش والحساب “دصارة”، حتى وإن تعلق الأمر بأتفه الأسباب وأبسط الدواعي.
تلك القربلة التي عرفت استخدام وزير العدل عبارة “مجلس قيادات الثورة” كمصطلح عتيق ستاليني في عصر الذكاء الصناعي، ذكرتني بموضوع هام كان من الأجدى والأدعى أن تقوم بسببه ثورة في البرلمان، ومشادة تبدأ من الكلام وأنت صاعد: الثروة…وتوزيعها.
ثروة تتركز 63% منها في يد 10% من السكان، بينما يتقاسم 50% من الفقراء والمُهمشين 5% لا غير. ثروة تُفتَحُ لأقلية قليلة جدا من الناس جميع الأبواب لمراكمتها، وتُغَلَّق نفس المداخل في وجه الأغلبية الساحقة.
كان حريا مثلا بتلك القربلة أن تقوم على شركة مثل SGTM العملاق العقاري الذي يبني حرفيا كل شيء في المغرب، دون منافس ولا محاسب. من البرجين التوأمين في الدار البيضاء لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات بالرباط، مرورا بملعب بنسليمان الكبير وتجديد مركب مولاي عبد الله، وصولا لميناء الناظور شمالا وقنطرة الساقية الحمراء الأكبر وطنيا جنوبا، وليس انتهاء بالمدرج الأول من مطار محمد الخامس.
الشركة المملوكة لعائلة القباج راكمت حجم عقود وصل 34 مليار درهم حتى شتنبر 2025، بينما تتوقع إيرادات بـ 14 مليار درهم خلال 2025، بزائد 25% مستفيدة من زخم مشاريع المونديال، ومن “الطابع الاستعجالي” للأشغال. طابع وذريعة تجعلان من شروط قانونية كطلبات العروض أو تخصيص 20% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغيرة، حبرا على ورق.
مقاولات صغيرة تعيش أكفس أيامها في عهد الدولة الاجتماعية، حيث 40 ألفا منها وأكثر تفلس كل عام، قانون يسمح للمؤسسات والجماعات الترابية بالتملص من الأداء حتى 12 سنة، سوق مغلق بالاشتراطات التعجيزية والمعايير الخيالية والكيانات الديناصورية، وتمويل شبه مستحيل إما واقعيا بمساطر سلحفاتية وممارسات فساد ورشوة، أو تشريعيا بشرط 100 مليون سنتيم رأسمال.
عدد المليونيرات المتزايد بألف في عام واحد مع ثبات عدد شديدي الفقر في مليونين، أرباح الشركات الكبيرة الخيالية مع عدم قدرة 90% من المواطنين على الإدخار، عقوبة خمس سنوات لمن يُسائل شفافية الانتخابات مع ضمانات البراءة للصوص المال العام في مسطرة وهبي الجنائية الجديدة…مواضيع وغيره الكثير استحقت وتستحق أن تُحشد لها الصفوف، وتُشيد لها الجبهات كل أسبوع في كلا المجلسين؛ النواب والمستشارين.
لكن أن تُقام قربلة “قد الدنيا” على تفصيلة صغيرة في قانون فرعي لا يمثل أكثر من إبرة في محيط، فتلك قمة السفاهة والسطحية، البؤس السياسي والفراغ المؤسساتي. المهم حيث الانتخابات اقتربت خاص الطرح يسخن، وكلشي يبان أنه ينفعل ويُمارس السياسة “بِنَفْس” وحُرقة، ولو طارت معزة.
للقصة بقية…
مجلس قيادات الثروة







