عاد مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر نفق سككي تحت مضيق جبل طارق إلى واجهة النقاش الهندسي والسياسي، بعدما أكدت دراسة تقنية حديثة إمكانية إنجازه من الناحية الهندسية، واضعة حداً لواحد من أكبر الشكوك التي لازمت هذا الورش لعقود.
الدراسة، التي أنجزتها شركة ألمانية متخصصة في تقنيات الحفر لفائدة الشركة الإسبانية المكلفة بالمشروع، خلصت إلى أن التكنولوجيا الحالية قادرة على تجاوز أعقد المقاطع الجيولوجية في مسار النفق، بما في ذلك منطقة “كامارينال” المعروفة بتركيبتها الصخرية غير المستقرة، والتي شكلت لسنوات عائقاً رئيسياً أمام أي تقدم فعلي.
ويعيد هذا التطور إحياء مشروع ظل حبيس الدراسات منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتم إعادة إطلاقه رسمياً سنة 2023 في سياق سياسي واقتصادي جديد، يتقاطع مع رهانات كبرى تخص الربط بين أوروبا وإفريقيا، وتكامل سلاسل النقل والتجارة، فضلاً عن الاستعدادات الجارية لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك. غير أن الضوء الأخضر التقني لا يعني بالضرورة اقتراب التنفيذ، إذ تكشف المعطيات نفسها عن كلفة مالية وزمنية باهظة تجعل المشروع أقرب إلى رهان استراتيجي بعيد المدى منه إلى ورش جاهز للانطلاق.
ووفق خلاصات الدراسة، فإن الكلفة التقديرية للشق الإسباني وحده تتجاوز 8.5 مليارات أورو، دون احتساب مساهمة الجانب المغربي أو الاستثمارات المرتبطة بالربط السككي والبنيات التحتية المرافقة. كما تشير التقديرات الزمنية إلى أن المرحلة الأولى، المتعلقة بحفر نفق استكشافي، قد تستغرق ما بين ست وتسع سنوات، في حين لا يُرتقب اكتمال المشروع ودخوله حيز الخدمة قبل أفق 2035 إلى 2040، وهو ما يبدد أي رهان على استثماره بشكل مباشر في مواعيد قريبة مثل مونديال 2030، باستثناء انطلاق أشغال رمزية أو تحضيرية.
ومن الناحية التقنية، يتحدث المخطط عن بنية غير مسبوقة في المنطقة، بنفق يمتد على حوالي 65 كيلومتراً، منها قرابة 40 كيلومتراً في الجانب الإسباني، ويصل عمقه في بعض المقاطع إلى 475 متراً تحت سطح البحر. المشروع يتضمن نفقين أحاديي السكة مخصصين لنقل المسافرين والبضائع، إلى جانب ممر تقني للخدمات والسلامة، على أن يربط بين ضفتي المتوسط في زمن يناهز 30 دقيقة، مع محطة نهائية مرتقبة في جنوب إسبانيا. مثل هذه المعطيات تجعل النفق واحداً من أعمق وأطول الأنفاق السككية تحت البحر في العالم.
وفي انتظار الانتقال من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ، تتحرك الآلة الإدارية في إسبانيا لتحديث التصاميم والمعطيات التقنية، حيث جرى تكليف مكتب عمومي بإعداد نسخة محينة من المشروع الأولي، يفترض تسليمها في صيف 2026، مع دمج المستجدات الجيولوجية ومتطلبات السلامة. أما على مستوى الرؤية العامة، فينظر مهندسون وخبراء نقل إلى المشروع باعتباره أكثر من مجرد إنجاز هندسي، بل بوابة لتحول عميق في حركة الأشخاص والبضائع بين الضفتين، بما قد ينعكس على التنمية الاقتصادية، وجاذبية الموانئ، ومكانة المغرب كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا.
وبالنسبة للمغرب، الذي راكم خلال العقدين الأخيرين تجربة معتبرة في الأوراش الكبرى للبنية التحتية، من قبيل الموانئ والقطارات فائقة السرعة، فإن عودة هذا المشروع إلى الواجهة تفتح أسئلة دقيقة حول الجدوى، ونماذج التمويل، وأولويات الاستثمار، في سياق يتسم بتعدد الالتزامات وضغط الرهانات الاجتماعية والاقتصادية. وبين الحلم الهندسي والواقع المالي، يبدو أن نفق جبل طارق دخل مرحلة جديدة، عنوانها الإمكان التقني المؤكد، مقابل انتظار طويل قبل أن يتحول إلى واقع ملموس.







