صانعات تقليديات يرفضن تشكيل تعاونية تُمكنهم من بيع منتجاتهن بأسعار مضاعفة، دون اللجوء لوسيط “يأكلهن في أرزاقهن” خوفا من فقدان الدعم. الحُجة هي قاعدة مغربية أصيلة مُتأصلة: الحفاض على الوضع القائم بمكاسبه المُحققة (على صغرها) أضمن من النضال من أجل شيء غير مضمون ولو كان جبالا من المال!
من جهة ثانية، ومع الكسل والتراخي التاريخيين لرجال ونساء الإحصاء الواضحين للعيان خلال جولاتهم، برز تحفظ العديد من السكان المُستجوبين حول نوع أنشطتهم. يُجيب العديدون بأنهم ما خدامينش، خوفا من انقطاع “500” درهم ديال الدعم.
مثال أخير، “عكز” وتماطل البعض على القيام بأعمال مقابل 500 و1000 درهم، واختيارهم “500 درهم الدعم” باردة بلا صداع الرأس.
أمثلة كثيرة تُبين بعض المناحي السلبية لـ” رشـ.وة” أكوا حكومة لملايين الأسر، دون نُكران أن الملايين والملايين من الناس في هذه البلاد السعيدة يحتاجون لدعم عاجل وفعّال. السؤال هو: كيف؟
أولا: استثمارات تشغيل جنبا إلى جنب مع مشاريع الربح السريع!
والي بنك المغرب، وكعادة عديد المسؤولين وقيادات المؤسسات الكبرى، أعطى في أكثر من مناسبة حلولا تقنيا فضفاضة مجتزءة للمعضلة، دون شرح ولا تفصيل: لا يمكن الاستمرار في تقديم الدعم المالي المباشر، والحل زيادة معدلات النمو وعدالة في توزيع الثروة (الرجل لم يتفوه بكلمة عدالة، كي لا يُتهم أخنتوشيا بأنه يساري!)
والي بنك المغرب يعي جيدا أن معدلات نمو مرتفعة لا تعني بالضرورة استفادة معظم الناس من فوائد ذلك النمو، تماما كمثال كعكعة يزداد حجمها كل مناسبة، لكن عدد المدعويين يظل نفسه دون تغيير.
الحل في المغرب هيكلي، وقاله بتحفظ السيد بنموسى في تقرير نموذجه التنموي الذي أطلع عليه سفيرة فرنسا قبل رئيس الدولة: تشجيع ودعم والاعتماد على استثمارات الإنتاج التي توفر مناصب شغل كبيرة، ومنتوجات مطلوبة للسوق المحلية (نسيج، أدوات منزلية، مكتبية، استهلاكية…) بسعر معقول، فنضرب جيش عصافير بجبّاد واحد: خلق فرص شغل، توفير منتجات بسعر منخفض، إخراج المزيد من الناس من دائرة الفقر، خفض الشريحة المُستحقة للدعم، تخفيف العجز التجاري بتوفير منتجات محلية بديلة للمُستورد…
لكن من جهة، هنالك فئة من عِلية القوم مستفيدة من استثمارات “الإنتاجية” التي يهرول لها المغرب، كمشاريع الهيدروجين الأخضر وبطاريات السيارات وقطع غيار الطائرات وغيرهم الكثير… مشاريع هدفها تحقيق أعلى ربحية للمستثمرين الكبار بأقل عدد من اليد العاملة. تسمع مثلا رئيس الحكومة يتكلم بكل فخر عن استثمارات بعشرات المليارات من الدراهم لخلق 5 آلاف فرصة عمل، بينما سوق الشغل يلجه خلال ثلاثة أشهر نصف مليون وافد جديد!
من جهة ثانية، فالتركيز (الحصري) على الاستثمارات الربحية وفي مختلف المجالات، من تصدير المواد الأولية خامة (الفلاحة والصيد البحري) لصناعة (تركيب) السيارات وقطع غيار الطائرات، ثم أسطورة الهيدروجين الأخضر بعد مقلب الطاقة الشمسية….كلها توصيات من مؤسسات دولية تهرول أكوا حكومة للارتماء في أحضان قروضها.
التعليمات واضحة: تخصصوا في ما يجلب المال للمستثمرين الكبار (الأجانب والمحليين) وما تطلبه الدول الكبرى من طاقة وفواكه، لا في ما يحتاجه سكانكم المحليون.
تسمع جعجعة بلا طحين في أن صناعة السيارات والطائرات أدخلت المغرب كذا مليار دولار، وكأن تلك المليارات دخلت خزينة الدولة، كما تدخل (نظريا) مبيعات أرامكو في السعودية وسوناطراك في الجزائر خزائن البلدان المذكورة.
الواقع أن تعبير “جلب العملة الصعبة” في مثال الطائرات والسيارات أعلاه، يعني أن الدرهم تظل مطلوبة (في حدود معينة) لأن التصنيع والبيع يكون بها مقابل الدولار واليورو وباقي العملات. في نفس الوقت، يُعاد ضخ وتدوير الجزء الأصغر من تلك الأرباح في البنوك المحلية لتوفير مادة أولية تخدم نفس الصناعات الأمريكية والأوروبية على الأراضي المغربية.
الشرح أعلاه للتوضيح، لا للنقد ولا للتقليل من الأهمية النسبية لتلك الصناعات. بلغة الرياضيات، هي مشاريع لازمة (ضرورية) لكنها أبعد من أن تكون كافية.
ثانيا: دعم عيْني بعيدا عن “سحر 500 درهم باردة”!
حتى في الولايات المتحدة وألمانيا هنالك فقراء وفئات اجتماعية تحتاج أنواع مُتعددة من الدعم، من الفقراء واللاجئين، لمِنح تُمكن العاطلين من العيش بكرامة واختيار المهن المناسبة كي لا يقبلوا بعبودية الشركات بأي ثمن كما في حالتنا. فما بالك، إذن، باقتصاد يعتمد ثالوث الوهم (تصدير المواد الأولية وفلاحة الأمطار، تحويلات المُغتربين والسياحة)؟ السؤال ليس هل نمنح الدعم أم نمنعه؟ المعضلة كيف ولمن نمنح هذا الدعم؟
دعم عيني مباشر لفئة الفقراء وشريحة من الطبقة المتوسطة عن طريق بطائق ذكية وداخل أسواق مخصصة لهذا الغرض، فتتمكن الأسر من الحصول على المواد الغذائية الأساسية من زيت وسكر ودقيق وغاز بأسعار تفضيلية. الطبقات المُستحقة واضحة دون المرور بمؤشر قلب بارامترات الفئات الهشة!
لكن السيد والي بنك المغرب والسيد رئيس الحكومة وباقي الشخصيات الفاعلة يعلمون علم اليقين أن تلك الـ 2 ريال خدامة لهم وبزاف. فمن تلك الـ 500 درهم يتوجب على رب الأسرة دفع 150 إلى 200 درهم ضمان اجتماعي، فواتير الكراء والماء والكهرباء، مصاريف العلاج والتمدرس، شراء حاجيات المنزل من قفة ولحوم وتوابل وغيرها الكثير….
منح دعم عيني للأسر المستهدفة سيضع الدولة أمام مسؤوليتها، ويكشف شيئا من عورتها: تأدية واجبات الضمان الاجتماعي مباشرة من الضرائب، مزيدا من الدعم لفواتير الكهرياء والماء بينما يأمرهم صندوق “النَّكد” الدولي برفعه نهائيا، حل مشكل السكن، مواجهة سُعار الأسعار ومجابهة السماسرة والوسطاء، توفير مناصب شغل وزيد وزيد وزيد.
اللهم خلي ديك 500 درهم كل واحد مْخبي فيها: الدولة تلومها تارة، تفتخر بها تارة، تمن بها دائما وتُدير من خلالها الحشود المسحوقة في الانتخابات كما في زيارات كبار الرؤساء. والشعب فرحان بيها مُعتبرا إيها “مكسبا” يدافع عنه بكل شراسة.
للقصة بقية…







