بينما تلمع أضواء الرباط احتفاء بعرس إفريقي بصم فيه المغرب على نجاح تجاوز سقف التوقعات، وبينما تنقل القنوات العالمية صور الملاعب التي تحولت إلى تحف معمارية وبنية تحتية قوية تصمد أمام أمطار عاصفية، يبدو أن جغرافيا الفرح في العاصمة منقسمة إلى عالمين متوازيين.. عالم يسكنه “التجهم” الرسمي داخل فندق “ماريوت”، وعالم يضج بـ “النشاط” الشعبي في ساحة “باب الحد” التاريخية.
إنهما مشهدان متناقضان لحالة “العزاء” الصامت في فندق “ماريوت” حيث تقيم البعثة الجزائرية بقيادة وليد صادي رئيس جامعة كرة القدم، ومشهد “النشاط” الشعبي الصاخب في ساحة “باب الحد” حيث تنصهر القلوب في بوتقة “خاوة خاوة”، والأغنية الشهيرة لجماهير وفاق سطيف “زكارة في كاع لالجيري”.
هذا التباين ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة المنطقية لاصطدام سنوات من “البروباغندا” الممنهجة بصخرة الواقع المغربي الصلبة. فبعد سنوات من ضجيج الإعلام الجزائري الذي لم يترك نقيصة إلا وألصقها بالمغرب، وجد المسؤولون أنفسهم اليوم في مواجهة مباشرة مع الحقيقة التي حاولوا حجبها بغربال الأكاذيب والوقيعة بين الشعبين.
لسنوات طويلة، لم يمل إعلام الجارة الشرقية من ترديد أسطوانة مشروخة، قوامها أن المغرب عاجز وأن ملاعبه في أسوأ حالاتها وأن البنية التحتية المغربية مجرد فقاعة إعلامية، والأخطر من ذلك أن المغرب عدو. فقد شُحنت العقول بقصص وهمية عن “الخيبات” التنظيمية المغربية، وحاولت الماكينة الإعلامية تسميم الأجواء بين الشعبين عبر تصوير المغرب كبلد يتربص بالأشقاء، بل وصل الشطط الإعلامي ببعض الأبواق إلى حد الزعم بأن المغرب يسيطر على “الكاف” لعرقلة تطور الكرة الجزائرية
غير أن الصدمة كانت قاسية حين حطت البعثة الجزائرية رحالها في الرباط، لتجد أن الواقع يتحدث لغة لا يفهمها تجار الوهم.. فالوفد الجزائري يقيم في أحد أفخم الفنادق ويتدرب في أيقونة مؤسسات التكوين الرياضي وهي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم.. بينما الملاعب تضاهي ملاعب أوروبا، والطرقات السيارة، والقطارات السريعة، والتنظيم الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وأحكم ضبطها، مما جعل من وجوه المسؤولين الجزائريين في فندق “ماريوت” لوحات من التجهم والعبوس، ليس لأنهم خسروا مباراة، بل لأنهم خسروا روايتهم التي بنوا عليها شرعية الحقد لسنوات.
هذا العزاء في “ماريوت” يقابله “نشاط شعبي” أسطوري في “باب الحد”، حيث تمزقت خيوط العنكبوت التي حاولت السياسة الجزائرية نسجها بين الشعبين.
في هذه الساحة التاريخية، نسي المشجع الجزائري كل ما قيل له في قنواته الرسمية عن “العدو الكلاسيكي”، ليرتمي في أحضان أخيه المغربي الذي استقبله بالترحيب والعناق.
إنها لحظة الحقيقة التي تسقط فيها الأقنعة، حيث يكتشف الضيف الجزائري أن الملاعب المخربة التي حدثوه عنها هي ملاعب تفوق توقعاته، وأن الشعب المعادي هو شعب يتقاسم معه الطعام وفرحة الهدف. وبينما يغرق رئيس الجامعة الجزائرية في صمته المطبق، عاجزا عن استخراج ابتسامة مجاملة حتى أمام طاقم الفندق، تضج “باب الحد” بهتافات “خاوة خاوة” التي تضرب في عمق التاريخ، لتعلن بوضوح أن ما أفسدته السياسة والبروباغندا الرسمية، أصلحه دفء الاستقبال المغربي وعفوية الشعوب التي ترفض أن تكون وقودا لمعارك وهمية.
إن مفارقة “ماريوت” وباب الحد هي في الجوهر مواجهة بين سياسة تقتات على التوتر وتسميم الأجواء، وبين إرادة شعوب تنشد الفرح والتلاحم. فقد حاول الإعلام الجزائري لسنوات تصوير المغرب كبلد عاجز عن تنظيم دوري محلي، فجاءت “كان المغرب” لتكشف للعالم أن المملكة ليست فقط قادرة على التنظيم، بل قادرة على إبهار العالم بلمسة حضارية وإنسانية.
واليوم، وبينما يلملم المسؤولون في الوفد الجزائري خيباتهم أمام نجاح الجار، يرقص المشجعون في “باب الحد” على أنغام “زكارة في كاع لالجيري”، مؤكدين أن علاقات الشعوب لن تحدها الحدود، وبأن قطار المغرب قد انطلق بقوة منذ زمان تاركا وراءه أصحاب الأسطوانات المشروخة في عزائهم الطويل أمام مشاهد الفرحة التي تعم مدن “الكان” وعلى رأسها الرباط التي احتضنت الجميع بقلب مفتوح وابتسامة واثقة، لتكتب فصلا جديدا من فصول الريادة وتقاليد الضيافة المغربية التي لا تحتاج إلى تطبيل ولا تلتفت إلى حقد الحاقدين.
“زكارة في كاع لالجيري”.. العزاء في “ماريوت” والنشاط في باب الحد







