بعد أن ظلّ لسنوات يُصنَّف ضمن الدول المعنية بالمراقبة والتدقيق بسبب ثغرات في منظومته الجبائية ومخاوف مرتبطة بالتهرب الضريبي، عاد المغرب ليظهر في واجهة التقارير الدولية هذه المرة بصفة مختلفة تماماً، بعدما منحته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقييماً إيجابياً وصنّفته ضمن الدول “الممتثلة بالكامل” للمعايير الدولية للشفافية الضريبية وتبادل المعلومات الجبائية.
التقرير السنوي للمنظمة حول الممارسات الضريبية الضارة برسم سنة 2024، والذي شمل 139 دولة، وضع المملكة ضمن لائحة 113 دولة لم تتلق أي توصية بالإصلاح أو التصحيح، مؤكداً أن الإطار القانوني والمؤسساتي المغربي يستجيب لمتطلبات الحد الأدنى الدولي لتبادل المعلومات حول القرارات الضريبية، خاصة تلك المرتبطة بالشركات متعددة الجنسيات وأنشطتها العابرة للحدود.
ووفق خلاصات المراجعة التي تعتمدها المنظمة، فإن المغرب “امتثل لكافة الشروط المرجعية” المعتمدة في هذا المجال، سواء على مستوى الإطار القانوني الداخلي الذي يتيح التبادل التلقائي والعفوي للمعلومات الجبائية، أو على مستوى الآليات العملية لتحديد القرارات الضريبية المعنية، وحصر الدول الشريكة، وتتبع مسارات الإشعار والمراقبة والإشراف.
ويأتي هذا التقييم في سياق انخراط المغرب في مشروع “تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح” المعروف اختصاراً بـBEPS، الذي أطلقته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومجموعة العشرين منذ 2013 للتصدي لاستراتيجيات التخطيط الجبائي العدواني التي تعتمدها بعض الشركات الكبرى لنقل أرباحها إلى ولايات ذات ضرائب منخفضة، بما يفرغ الأنظمة الجبائية الوطنية من مضمونها.
التقرير يشير إلى أن مستوى الالتزام بهذه المعايير أصبح مرتفعاً على الصعيد الدولي، إذ لم تتلق سوى سبع دول توصية واحدة فقط، فيما لم تسجل أي توصيات في حق الغالبية الساحقة من الدول التي شملها التقييم. غير أن إدراج المغرب ضمن خانة “الامتثال الكامل” يكتسي دلالة خاصة في سياق إقليمي ودولي يشهد تشديداً متزايداً على قضايا الشفافية ومحاربة التهرب الضريبي وتبييض الأموال.
وتؤكد المنظمة أن التقييمات السابقة كانت قد خلصت بدورها إلى متانة المنظومة المغربية، سواء في ما يتعلق بقدرة الإدارة الجبائية على تحديد الحالات المعنية بالتبادل، أو بفعالية إجراءات المراقبة والتتبع، أو بغياب أي عوائق قانونية أو عملية تحول دون تبادل المعلومات في آجال معقولة، وهو ما ظل ثابتاً في تقرير 2024، مع تسجيل احترام معايير الآجال والانتظام في عمليات التبادل خلال السنة نفسها.
وتوضح مصادر مطلعة، أن هذا التحول في موقع المغرب داخل التقارير الدولية لا ينعكس فقط على صورته الجبائية، بل يمتد إلى علاقته بالمستثمرين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين، في وقت أصبحت فيه الشفافية الضريبية أحد معايير الثقة الأساسية في تقييم مناخ الأعمال، وشرطاً غير معلن للاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي المنظم.







