في مثل هاته الأيام، قبل خمسة وثلاثين عاما، كانت القوات الأمريكية تضع اللمسات الأخيرة على تدخلها العسكري ضد صدام حسين في العراق، ردا على مغامرته المجنونة في الكويت صيف 1990، وهاهي اليوم تستعد لتدخل عسكري آخر في إيران، لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، العدو اللدود لعراق صدام حسين. العبرة بالخواتم، وما أشبه اليوم بالبارحة، رغم أن السياق مختلف تماما. حين شرعت الطائرات الأمريكية في قصف بغداد، هبت “الجماهير” في شوارع القارات الخمس تهتف ضد “الإمبريالية” و”الغطرسة الامريكية”، وتصرخ بكل اللغات : “يكفينا يكفينا يكفينا مِن الحروب/ أمريكا أمريكا عدوة الشعوب”. علما أن “عاصفة الصحراء” حظيت بتأييد دولي، باعتبارها دفاعا عن بلد تعرض للاحتلال من جاره، بخلاف الهجوم المحتمل على إيران، الذي لن تشارك فيه إلا الولايات المتحدة وإسرائيل، على الأرجح، خارج أيّ شرعية دولية. التحالف الدولي ضد العراق في نسخته “البعثية”، كان يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكلّ دول الخليج، ومعظم البلدان العربية، من المغرب إلى سوريا مرورا بمصر والأردن… عدد ضخم من الجيوش والطائرات والبوارج الحربية، قلَّما حُشِدَتْ لقتال شخص واحد.
فجر 17 يناير 1991 بدأت قوات التحالف في قصف بغداد، كنا في الثانوية وشعرنا بتعاطف جارف مع هذه المدينة، التي كان اسمها مرادفا للبطولة قبل أن يخرّبها التتار. مزيج من السذاجة والرغبة في الصراخ جعلنا نخرج في حشود إلى الساحة كي نحتج. على من؟ لا أحد كان يعرف. لم نكن نملك وعيا سياسيا يؤهلنا لفهم ما يجري في أكثر المناطق تعقيدا على الكرة الأرضية، لكننا كنا نملك الحناجر والحماس، وكنا نفتش عن بطل ووجدناه: صدام حسين. في أربعة وعشرين ساعة دخل إلى الكويت “الرجعية” وحولها إلى مقاطعة عراقية، نكاية في “الامبريالية”، التي كنا نشتمها دون أن نعرف إن كانت دولة أو قارة أو مجرد امرأة شريرة!
كان صدام بطلا في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، التي كانت تصنع الاساطير أيام كان المغرب بالأبيض والأسود، ومناضلو اليسار كلهم معه، لذلك وجدنا أنفسنا في ساحة الثانوية نهتف باسمه ونتوسل إليه أن “يدمر تل أبيب”: ” ياصدام يا حبيب… دمِّرْ دمِّرْ تلّ أبيب”، فيما كان آخرون في الرباط يقذفون مقر جريدة “الشرق الاوسط” بالحجارة، وينكّلون بالمنتمين الى حزب “التقدم والاشتراكية” الذي تعرضت جرائده للمقاطعة وأصبح ينعت بحزب “الرجعية والاشتراكية”، فقط لأنه عارض دخول العراق الى الكويت !
كنا نسمع صفارات الإنذار تدوّي في نشرات الأخبار، والإسرائيليون يهرعون إلى مخابئهم وننتشي: أخيراً وجد الصهاينة من ينتقم منهم!
لكن، بخلاف الصواريخ الإيرانية في حرب الاثني عشر يوما، كان واضحا أن صواريخ “سكود” التي يطلقها العراقيون لا تصيب أحدا، أقصى ما تحدثه هو حفرة يتجمع حولها رجال الإسعاف، دون أن يموت أحد. نحن الذين متنا في النهاية من الملل ونحن نتفرّج على صواريخ لا تنفجر، وننتظر أن يفاجِئ صدّامُ العدو، مثلما وعدنا في خطبه، قبل أن يفاجئنا نحن، وهو يعلن بصوته الأجش، مخاطبا جنوده “النشامى”: “انسحبوا انشاء الله منتصرين…” النهاية تركتنا بلا صوت. لم يكن هناك تيك توك ولا يوتوب ولا إنستغرام ولا فيسبوك، ولا حتى “الجزيرة”. الاخبار كانت شحيحة وموجَّهَة، لذلك كان من الصعب علينا أن نفهم ما يحدث وأن نتقبّل الهزيمة…
كان حلمنا أن نكبر بسرعة، والطريق إلى الرجولة يمر من الإضرابات والاحتجاجات، لذلك وجدناها فرصة ذهبية للاحتشاد وسط الثانوية، وبعد أن تعبنا من الصراخ في الساحة، أخرجنا التظاهرة إلى الشارع وتبعتنا سيارات الشرطة، حين بلغنا وسط المدينة، نزل أفراد الأمن من الشاحنات وهم يتحسسون “زرواطاتهم”، وبدأنا تلقائيا في الهروب، لتتحول التظاهرة إلى كرّ وفرّ، ومطاردات بين قوات الأمن والتلاميذ المذعورين. كنا ندخل أي بيت نجده مفتوحا تفاديا لهروات رجال الأمن المسعورين، كان رئيسهم يدعى إدريس البصري…
قبل أن تبدأ الحرب، ألقى الحسن الثاني خطابا بليغا يبرر مشاركة الجنود المغاربة ضمن قوات التحالف الدولي، وجَّه فيه كلاما مباشرا إلى الرئيس العراقي المنتشي بقوته، يدعوه للخروج من الكويت، وكرر عدة مرات: “أناشدك أخي صدام”، قبل أن يضرب له مثلا مغربيا دامغا: “الحميّة كتغلب السبع”… لكن صدام كان قد تحوّل الى سبُعٍ بلا أنياب، وبدأ نزوله الطويل إلى الجُحْر الذي سيخرجونه منه، بعد أكثر من عشر سنوات، بلحية مشعة ونظرات مشدوهة، وسيفحصه “مول البيل”، في صورة قال عنها الحاقدون إنها الأولى التي تُلْتَقَطُ لشخص في “مزبلة التاريخ”، رغم أن الرجل كان وما يزال بطلا حقيقيا في عيون الملايين، لأنه بدل الاستسلام، اختار السقوط مع أولاده في ساحة الشرف، مثلما سيسقط قادة كثيرون من بعده، على يد رعاة البقر، لن يكون آخرهم نيكولاس مادورو رئيس فينزويلا…
كلما تقدم الزمن، وتعاظمت الجرائم الأمريكية، تحسنت صورة صدام حسين في عيون “الجماهير”، رغم أنهم تعبوا من التظاهر والاحتجاج، ولم يعد أحد ينزل للشارع كي يصرخ : “يكفينا يكفينا يكفينا من الحروب، أمريكا أمريكا عدوة الشعوب !”







