ما يجري في العالم اليوم ليس مجرد أخبار عابرة على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، بل زلزال مدمّر يعصف بعالم قديم، بكلّ قوانينه وأعرافه وتوازناته، ويعيد تشكيل الجغرافيا والسياسة معا.
نحن أمام “نظام عالمي جديد” قيد التشكّل، ومن لا يقرأ علاماته جيّداً سيخرج من التاريخ وتضيق عليه الجغرافيا. القصة باختصار أن القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، سلمت شهادة وفاة للقانون الدولي، وللمواضعات الموروثة عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحوّلت كوكب الأرض إلى غابة يفترس فيها القوي الضعيف. كم كان الرفيق غرامشي بليغا حين قال : “عندما يحتضر العالم القديم، ويتأخّر العالم الجديد في الظهور، بين الضوء والعتمة، تولد الوحوش”. لقد كشرت الوحوش عن أنيابها، وأصبحت بين عشية وضحاها ترأس دولا وحكومات، دون رتوش أو مساحيق، وتعيث فسادا في الأرض. الأحداث تتسارع بشكل كبير. الحدود تتحرك، والخرائط تعاد صياغتها بالبوارج الحربية وحاملات الطائرات. هناك بلدان ستكبر، وأخرى سيتضاءل حجمها، وثالثة قد تختفي من الخريطة بكل بساطة، ولن يحدث هذا بلا دم وخراب. الفصول الأولى من “كتاب الأدغال”، شاهدناها في أوكرانيا وغزة ولبنان وإيران واليمن وفينزويلا… حيث لا شيء يعلو على منطق القوة، وبقية الفصول لن تتأخر. لقد رجعنا إلى الحقبة الاستعمارية بكل فجاجتها. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتوقف يوما عن زرع الخراب في العالم وإسقاط الأنظمة التي تزعجها، لكنها كانت تصنع ذلك مع الحفاظ على حد أدنى من احترام القانون الدولي، وبعض الأعراف والمواضعات، ولو شكليا، كما أنها لم تكن تطمع في حلفائها، مثلما الحال اليوم مع كندا والدنمارك. كما لو أن الأمريكيين جددوا العهد مع جدودهم، “رعاة البقر”، وانتقلوا من شعار “إذا ابتليتم فاستتروا” إلى منطق “المجاهرة بالفجور” !
قبل حوالي قرن ظهر هتلر على المسرح الدولي، وزرع الخراب في العالم، باسم “المجال الحيوي” ومنطق القوة. كل الأراضي التي اعتبرها “الفوهرر” ضرورية لانتعاش ألمانيا واستعادة مجدها وتوسعها الجغرافي، ضمها دون أن يرف له جفن. بدأ بالنمسا في مارس 1938 ، ثم سطا على أجزاء من تشيكوسلوفاكيا وبولندا، ومدّ يده على بلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج ووصل حتى فرنسا… ما أشبه اليوم بالبارحة، هاهو ترامب يسطو على فينزويلا كي ينهب خيراتها، ويستعد لضم الغرينلاند، دون مراعاة لما تقتضيه القوانين والتحالفات، ويهدد إيران وكولومبيا وكوبا والمكسيك ومن قبلهم بنما وكندا… الرئيس الأمريكي لا يخفي رغبته في نهب ثروات البلدان الضعيفة، وتوسيع مساحة بلاده، وتقوية موقعها الاستراتيجي، ولو على حساب الحلفاء. الغرينلاند إقليم تابع للاتحاد الأوربي، لأنه تحت السيادة الدنماركية، لكن ذلك لم ينفع في كبح مطامع ترامب، مادامت الجزيرة غنية بالموارد الطاقية والمعادن النادرة، وتضمن للولايات المتحدة الأمريكية تمددا استراتيجيا في مواجهة الصين وروسيا، وليذهب الحلفاء إلى الجحيم. من يده في النار ليس كمن يده في الماء. رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، طار الأسبوع الماضي إلى بيكين بحثا عن دعم صيني في مواجهة الأطماع الأمريكية، وكان لافتا أن يقول بالحرف بعد لقائه مع شي جين بينغ : “التقدم الذي حققناه في إطار الشراكة مع الصين يهيئنا بشكل جيد للتعامل مع النظام العالمي الجديد”… سطروا على “النظام العالمي الجديد”. بخلاف كارني، الأوربيون لم يستوعبوا بعد أن ترامب يحمل معولا ويهدم العالم القديم على رؤوسهم، منذ أربع سنوات وهم يرون هتلر في بوتين، غاب عنهم أن “الفوهرر” الحقيقي يمكن أن يخرج من معسكر “الحلفاء” !
القوى العظمى توسع حدودها خارج القانون، بينما تسعى موسكو لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، تريد واشنطن تحصين موقعها الاقتصادي والاستراتيجي في مواجهة الصين، ولا تتردد في ابتلاع الدول والأقاليم “اللي خرج فيها البلان”. هناك تفاهم ضمني بين بوتين وترامب، لكنه هشّ ويمكن أن يتحول في أي لحظة إلى صدام، على غرار ما حدث بين هتلر وستالين في الأربعينيات، بذلك سندخل رسميا إلى “الحرب العالمية الثالثة”. ومن الوهم الاعتقاد أن معارك بوتين وترامب لا تعنينا لأنها “بعيدة”، فكما يقول المثل الأفريقي: “عندما تتصارع الفيلة، يدفع العشب الثمن”، ونحن “عشب” هذه المرحلة، كما كان اجدادنا “عشب” الحرب العالمية الثانية. ولا شك أنكم سمعتم عن “عام البون”، حين كانت الجثث تخرج بالعشرات من البيوت بسبب المجاعة، لأن المستعمر نهب كل ما يخرج من الأرض ليطعم جنوده على الجبهة، وترك سكان المستعمرات يموتون بصمت. تلك الحرب أيضا كانت “بعيدة” !
الخرائط اليوم تتحرك، ويمكن أن نستفيد من ذلك طبعا، كما تؤكد التطورات التي تحدث في “قضية الصحراء”. من المهم أن نتحالف مع الأقوى، ونكون في الجهة الآمنة، لكن علينا أن نظل حذرين، ولا نضع كلّ بيضنا في سلة واحدة، لأن الوضع لا يخلو من مخاطر ، الحليف بلا أخلاق، لا يعرف إلا المصلحة، ومواقفه متقلبة ولا يمكن التكهن بها. علينا أن نستحضر دائما أن “رعاة البقر” لا يُؤتمنون، يبيعون ويشترون، ويرمون حلفاءهم عند أول مفترق طرق !







