عاد ملف تدبير مرفق النظافة بمدينة آسفي إلى صدارة النقاش العمومي، في ظل تفاقم مظاهر التلوث وتراكم النفايات بعدد من الأحياء، ما عمّق استياء الساكنة وأعاد طرح أسئلة حارقة حول نجاعة التدبير المفوض وحدود المسؤولية المؤسساتية في قطاع يرتبط مباشرة بالصحة العامة والعيش الكريم. مشاهد الأزبال المتراكمة لأيام في الشوارع والساحات لم تعد حالات معزولة، بل أضحت، وفق متتبعين للشأن المحلي، مؤشراً على اختلالات بنيوية في مرفق حيوي يفترض أن يضمن الحد الأدنى من شروط الاستمرارية والجودة.
المعطيات المتداولة محلياً تشير إلى تعثر واضح في انتظام عمليات جمع النفايات واحترام البرامج الزمنية المعتمدة، خصوصاً بالأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ما أدى إلى تكدس الأزبال وتنامي المخاوف من الانعكاسات الصحية والبيئية. كما أصبح اللجوء إلى تدخلات استعجالية بآليات ثقيلة سلوكاً متكرراً، في دلالة على أزمة تتجاوز الأعطاب التقنية الظرفية، وتكشف عن خلل في التخطيط والتدبير.
هذا الوضع المتأزم انتقل من مستوى الرصد الإعلامي والميداني إلى دائرة المساءلة الحقوقية، بعدما وجهت المنظمة المغربية للحقوق والحريات مراسلة إلى رئيس جماعة آسفي، نبهت فيها إلى ما اعتبرته خروقات خطيرة تطال تدبير مرفق النظافة، وتمس حقوقاً دستورية أساسية، في مقدمتها الحق في بيئة سليمة والصحة.
المراسلة سلطت الضوء على اختلالات وصفتها بالبُنيوية، من بينها ضعف التغطية اللوجستيكية، حيث أفادت بأن أزيد من عشرة قطاعات سكنية لم تعد تُغطى سوى بأربع شاحنات فقط، في وقت تعاني فيه باقي الآليات من أعطاب متكررة وغياب الصيانة، ما ينعكس مباشرة على انتظام ونجاعة دوريات الجمع.
كما أثارت تساؤلات بشأن تدبير الموارد البشرية، في ظل تسجيل منح عطل سنوية قبل أوانها لسائقي شاحنات، وسوء توزيع العمال، عبر تكليف بعضهم بمهام لا تتلاءم مع اختصاصاتهم، مقابل شبه توقف لأعمال صيانة وتنظيف الحاويات.
الأخطر، وفق المصدر نفسه، يتعلق بسلامة العمال، بعدما تم تسجيل حادث انقلاب شاحنة نتيجة استعمالها في نقل حاوية تفوق طاقتها الاستيعابية، ما أدى إلى إصابة سائقها إصابات وُصفت بالخطيرة. الواقعة اعتُبرت دليلاً على غياب احترام المعايير التقنية وقواعد السلامة المهنية، في قطاع يُفترض أن تحكمه إجراءات صارمة لحماية الأجراء.
كما سجلت المراسلة اختلالات مرتبطة بالتغطية الصحية والتدخل الاستعجالي، من خلال نقل عمال مصابين إلى المستشفى الإقليمي دون تفعيل آليات التدخل السريع أو اللجوء إلى مصحات خاصة يُفترض وجود شراكات معها، وهو ما اعتُبر إخلالاً بالالتزامات القانونية والتعاقدية، وتعريضاً إضافياً لصحة العمال للخطر.
وفي شق لا يقل حساسية، أثارت المنظمة مسألة الاستمرار في تمتيع الشركة المفوض لها بنفس المستحقات المالية، رغم العمل في سياق تدبير مؤقت أو شبه انتقالي، معتبرة أن ربط الأداء بالخدمة المنجزة فعلياً يظل مبدأً قانونياً لا يقبل التجاوز، ويخول للجماعة تفعيل الجزاءات والغرامات المنصوص عليها، بل وفسخ العقد عند الاقتضاء.
وطالبت الهيئة الحقوقية بتدخل فوري لإعادة انتظام خدمة جمع النفايات، وتفعيل آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالجزاء، مع ضمان شروط السلامة المهنية والتغطية الصحية للعمال. كما لوحت باللجوء إلى القضاء وتفعيل الآليات الوطنية والدولية، إذا استمر ما وصفته بالتقصير المؤسساتي في تدبير مرفق أساسي يمس صحة المواطنين وصورة المدينة.







