في خضم موجة التساقطات القوية التي عرفتها عدة مناطق بالمغرب خلال الأيام الأخيرة، وما رافقها من فيضانات محلية واختناق لشبكات الصرف بعدد من المدن، عادت مدينة برشيد إلى واجهة القلق الحضري، باعتبارها واحدة من المدن التي تواجه خطراً بنيوياً واضحاً يتمثل في غياب قناة خارجية ومصب نهائي لتصريف مياه الأمطار والمياه العادمة والمياه الصناعية، وهو ما يجعل أي تساقطات استثنائية مرشحة للتحول إلى سيناريو غرق واسع النطاق.
وتؤكد مصادر محلية، أن المعطى الأكثر إلحاحاً في وضعية برشيد اليوم لا يرتبط فقط بحجم الأمطار المسجلة، بل بكون المدينة لا تتوفر، إلى حدود الساعة، على ممر رئيسي ينقل الصبيب الكبير للمياه خارج المدار الحضري. وبدل ذلك، تُجمع كميات ضخمة من المياه في محيط المدخل الغربي للمدينة، وسط أراضٍ فلاحية، في شكل مسطحات مائية واسعة تختلط فيها مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، قبل توجيهها بشكل مؤقت نحو محطة المعالجة التي بلغت عملياً حدود طاقتها الاستيعابية.
وخلال التساقطات الأخيرة، التي جاءت في سياق وطني موسوم بتكرار الفيضانات المفاجئة نتيجة تركز الأمطار في مدد قصيرة، كشفت الوضعية الميدانية ببرشيد أن شبكة تصريف المياه الشتوية داخل الأحياء لم تعد قادرة على امتصاص الكميات المتدفقة، خاصة بعد التوسع العمراني المتسارع الذي عرفته المدينة خلال السنوات الماضية. وقد أدى ذلك إلى تجمع المياه في نقط منخفضة عند مداخل المدينة، وتحول جزء من هذه المجالات إلى أحواض مؤقتة لعبت دوراً وقائياً محدوداً، لكنها في المقابل رفعت منسوب الخطر على مستوى المحاور الطرقية وخط السكة الحديدية.
وترى المصادر ذتها أن الرهان التقني المطروح منذ سنوات لتفادي هذا السيناريو يقوم على إنجاز قناة خارجية رئيسية تربط المدينة بمصب طبيعي، عبر وادي مرزك، في اتجاه دار بوعزة، بما يسمح بتصريف كميات المياه خارج النسيج الحضري، وتخفيف الضغط عن الشبكة الداخلية ومحطات المعالجة. غير أن هذا المشروع ظل معلقاً منذ مطلع الألفية، رغم إدراجه في وثائق التهيئة والتصاميم المديرية، بسبب كلفته المالية المرتفعة وتعقيد ترتيبات التمويل وتعدد المتدخلين المؤسساتيين.
وتشير المعطيات التقنية المتداولة إلى أن أول تقدير مالي لإنجاز هذه القناة يعود إلى سنة 2003، حين قُدرت كلفتها في حدود 30 مليار سنتيم دون احتساب كلفة اقتناء العقار، قبل أن تتضاعف هذه الكلفة بشكل كبير في ظل ارتفاع أسعار الأشغال والبنيات الأساسية، ما جعل الجماعة الحضرية غير قادرة على تحمّل المشروع بمفردها.
وبحسب المصادر، فإن الخلل لا يقف عند مستوى تصريف مياه الأمطار فقط، بل يمتد إلى منظومة التطهير ككل، في ظل ضغط متزايد على شبكة قنوات لم تواكب الامتداد العمراني والكثافة السكانية الجديدة، إضافة إلى وصول مياه صناعية إلى الشبكة في عدد من الحالات دون احترام شروط المعالجة الأولية، وهو ما يفاقم الضغط على محطة المعالجة ويؤثر على مردودية المنظومة البيئية برمتها.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن محطة معالجة المياه العادمة بسيدي المكي، الواقعة على بعد نحو عشرة كيلومترات من المدينة، أصبحت غير قادرة على استيعاب الارتفاع المتواصل في الصبيب، ما يفرض التفكير في توسيعها أو في اعتماد نمط معالجة جديد، في إطار ورش ثقيل يتطلب تعبئة مالية وتقنية كبيرة.







