لم تكن موجة الفيضانات العنيفة التي ضربت حوض اللوكوس خلال الشهرين الماضيين مجرد حدث هيدرولوجي عابر، بل جاءت لترسم علامة فارقة في تاريخ تدبير المنشآت المائية بالمملكة. فالتواتر النادر والشدة المرتفعة لتلك التساقطات وضعا “سد واد المخازن” أمام اختبار حقيقي، لم يكشف فقط عن صلابة البناء، بل أبان بصورة جلية عن محدودية المقاربة التقليدية التي تحصر دور السدود في “التدبير الدفاعي”.
إننا اليوم أمام سياق مناخي متحوّل، يتسم بتزايد معامل التمركز الهيدرولوجي(coefficient de concentration) وعدم انتظام التوزيع السنوي للتساقطات، مما يفرض انتقالاً جذرياً من منطق “السلامة القصوى مع التصريف السريع” إلى فلسفة “التخزين
الذكي ذي الأمان متعدد المستويات”.
وتتجلى الإشكالية التقنية الراهنة في بنية المفرغ الحالي للسد، وهو من نوع (Morning Glory Spillway) الذي يعمل كعتبة حرة تبدأ في تصريف المياه مبكراً عند منسوب 62 متراً. هذا التصميم، رغم فاعليته الهيدروليكية التقليدية، يؤدي إلى فقدان هامش تخزيني ثمين وتصريف كميات هائلة نحو وادي اللوكوس في فترات زمنية وجيزة. ومن هنا، يبرز مقترح “إعادة هندسة المفرغ” كخيار استراتيجي لرفع السعة الإجمالية للسد إلى نحو مليار متر مكعب، بزيادة تقارب 35% عن سعته الحالية. وتعتمد هذه الإضافة التقنية على سد الفتحات الأولية أو تجهيزها بمنظومة بوابات تحكم متطورة (Radial Gates)، مما يسمح بتأخير التصريف وتوزيع الصبيب زمنياً، وهو ما يُعرف بـ “تخفيف حدة الفيضان” (Lamination de crue)، وضمان تعبئة الحقينة بشكل الأمثل في السنوات المطيرة.
بيد أن هذا الطموح لرفع المنسوب التشغيلي يستوجب، بالضرورة، دراسة تقنية شاملة؛ يبدأ بتحديث منحنى “المنسوب–الحجم” وينتهي بدراسات معمقة للاستقرار الجيوميكانيكي للمنحدر الأمامي للسد الركامي تحت ضغوط هيدروستاتيكية مرتفعة. كما لا يمكن إغفال التحليل الدقيق للفيضان الأقصى المحتمل (PMF) لضمان عدم تجاوز المياه لتاج السد، خاصة مع زيادة الكتلة المائية المؤثرة ديناميكياً في حالات الهزات الزلزالية. ولتعزيز هذه المنظومة، يطرح المقترح التقني مبدأ “السلامة المزدوجة” عبر إنشاء مفرغ إضافي عند منسوب 70.50 متر على الضفة ذات الأساس الصخري المستقر، ليكون بمثابة صمام أمان حرّ لتصريف الفيضانات الاستثنائية، مما يحمي المنشأة ويمنح صانع القرار مرونة أكبر في رفع المنسوب دون المساس بمعايير الأمان العالمية.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يظل السد، مهما بلغت كفاءته، جزءاً من منظومة أشمل تنتهي عند المصب. فالحماية الحضرية لمدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة تظل رهينة بإعادة تأهيل
سد “واد المخازن” وما بعد فيضانات 2026.. نحو هندسة استباقية للأمن المائي وحماية الحواضر







