عاد اسم المغرب ليطفو مجددا داخل ما بات يُعرف بـ“ملفات إبستين”، بعد الإفراج عن وثائق قضائية أمريكية حديثة كشفت تفاصيل مقلقة عن امتدادات شبكة رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين داخل القارة الإفريقية، واضعة المملكة ضمن خريطة تحركاته المحتملة بحثا عن ملاذات آمنة واستثمارات عقارية موازية لأنشطته المشبوهة.
المعطيات التي نشرتها كل من لوموند ولوفيغارو تفيد بأن إبستين نظر إلى المغرب، خصوصا مدينة مراكش، كوجهة بديلة بعد تضييق الخناق عليه قضائيا في الولايات المتحدة، مستفيدا – بحسب المراسلات المسرّبة – من غياب اتفاقية لتسليم المجرمين بين الرباط وواشنطن خلال تلك الفترة. وفي رسالة مؤرخة في شتنبر 2017 كتب: “جُزُري دُمّرت… أحتاج إلى بديل”، في إشارة إلى ممتلكاته التي أصبحت تحت مجهر التحقيق.
وتكشف الوثائق أن إبستين حاول، بوساطة من وزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ، اقتناء قصر فاخر بمراكش عبر صفقة مالية “أوفشور” بلغت قيمتها 5.4 ملايين يورو، غير أن العملية لم تكتمل لأسباب لم تُفصح عنها الوثائق، ما يترك الباب مفتوحا أمام تساؤلات حول خلفيات التعثر، وما إذا كانت مرتبطة بتدقيقات مالية أو بتحفظات سيادية غير معلنة.
الحضور المغربي في الملفات لم يأتِ معزولا، بل ورد ضمن شبكة أوسع من الوسطاء ودوائر النفوذ في غرب إفريقيا. وتبرز المراسلات دور “كريم واد”، نجل الرئيس السنغالي الراحل عبد الله واد، كأحد أهم نقاط الارتكاز داخل القارة. إذ ظهر اسمه مئات المرات في الوثائق، مع حديث عن دعم مالي قدمه له إبستين لتمويل أنشطة ضغط سياسي في واشنطن أثناء فترة سجنه، إضافة إلى تبادل نصائح استثمارية بين الطرفين.
وفي إحدى الرسائل التي أثارت جدلا واسعا، ناقش إبستين رغبته في شراء منزل بالمغرب، ليرد واد مازحا – وفق المراسلات : “لا تنسَ جناح الحريم في المنزل.. سأكون سعيدا بالاهتمام بذلك”، وهو ما اعتبرته الصحيفتان مؤشرا على طبيعة العلاقات التي كان يسعى الملياردير الأمريكي إلى بنائها تحت غطاء الأعمال والاستثمار.
التحقيقات ذاتها تطرقت إلى امتدادات أخرى للشبكة في كوت ديفوار، حيث جرى الحديث عن وساطة قريبة من دوائر الحكم لتسهيل لقاءات رسمية وصفقات أمنية، في مقابل تلبية طلبات شخصية لإبستين. كما أشارت الوثائق إلى ترتيبات بروتوكولية خاصة في المطارات، وتأمين تنقلاته بمواكبة رسمية، ما يعكس مستوى الاختراق الذي بلغته علاقاته داخل بعض الأنظمة.
ولم تقتصر تحركات إبستين على المال والنفوذ، بل حاول – وفق المعطيات المسربة – تلميع صورته عبر بوابة العمل الخيري، من خلال تمويل منح دراسية والتقرب من قادة أفارقة، من بينهم الرئيس الرواندي بول كاغامي. كما عاد اسمه للظهور خلال جولة إفريقية سنة 2002 رافق فيها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وهي الرحلة التي أثيرت حولها لاحقا شبهات سلوكية نقل بعضها شهود إلى مكتب مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وتأتي عودة “ملفات إبستين” إلى الواجهة في سياق دولي يتسم بتشديد الخناق على شبكات الاتجار بالبشر وغسل الأموال، ما يمنح لهذه الوثائق أبعادا تتجاوز البعد الفضائحي إلى أبعاد جيو-سياسية واقتصادية، قد تفرض على عدة دول – من بينها بلدان شمال إفريقيا – إعادة تقييم منظوماتها الرقابية تحسبا لأي اختراقات مماثلة مستقبلا.







