بعد سبع سنوات متتالية وُسمت بندرة التساقطات وتراجع المخزون المائي إلى مستويات مقلقة، جاءت أمطار دجنبر ويناير وفبراير الأخيرة لتعيد خلط أوراق المشهد الاقتصادي بالمغرب، ليس فقط من زاوية الفلاحة، ولكن من حيث الدورة الاقتصادية برمتها. فقد عاشت مناطق واسعة، من الغرب إلى الشمال ومرورا بالجنوب الشرقي وسوس، على إيقاع تساقطات كثيفة تجاوزت في بعض الفترات المعدلات الموسمية، بل وتحولت في حالات إلى فيضانات خلفت خسائر مادية، لكنها في المقابل بعثت رسائل ارتياح قوية إلى الأسواق والدوائر المالية التي ظلت تراقب بقلق أثر الجفاف على التوازنات الماكرو-اقتصادية.
الاقتصاد المغربي، بحكم بنيته، لا يزال رهين السماء أكثر مما تعكسه أرقام التصنيع والخدمات. فالفلاحة، التي تؤمن ما بين 12 و14 في المئة من الناتج الداخلي الخام في السنوات العادية، تشكل رافعة تشغيل رئيسية، إذ توفر الشغل لنحو ثلث اليد العاملة. لذلك فإن أي موسم مطري جيد لا ينعكس فقط على محصول الحبوب، بل يمتد أثره إلى الاستهلاك الداخلي، والقدرة الشرائية بالعالم القروي، ثم إلى رواج التجارة والنقل والصناعات الغذائية.
المعطيات الأولية الصادرة عن مصالح وزارة التجهيز والماء، تشير إلى تحسن ملحوظ في نسبة ملء السدود مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، بعدما تجاوزت بعض الأحواض عتبة 100 في المئة، مقابل مستويات دُنيا لم تتعد 25 في المئة خلال ذروة الجفاف. هذا التحسن، وإن لم ينهِ أزمة الماء بنيويا، أعاد الأمل في إنقاذ جزء مهم من الزراعات الربيعية، وخصوصا الحبوب والقطاني والأعلاف، ما يخفف الضغط على كلفة استيراد الماشية والأعلاف التي استنزفت العملة الصعبة خلال سنوات الجفاف.
لكن الوجه الآخر لهذه التساقطات لم يكن بلا كلفة. فقد سجلت فيضانات الشمال والغرب خاصة بسيدي سليمان أضرارا في المسالك القروية وشبكات الري، بل وأتلفت ضيعات فلاحية صغيرة. ورغم محدودية الخسائر قياسا بالمكاسب المائية، فإنها أعادت طرح سؤال البنيات التحتية القادرة على تثمين المطر بدل تحويله إلى كوارث ظرفية. فكل متر مكعب يُفقد في البحر بسبب ضعف التخزين هو خسارة اقتصادية مؤجلة.
انعكاسات المطر لا تتوقف عند الضيعات فقط. فالموسم الفلاحي الجيد يخفف الضغط التضخمي على أسعار الخضر واللحوم، وهو ما بدأت ملامحه تظهر وإن بشكل طفيف في أسواق الجملة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث سجلت بعض المنتجات الأساسية تراجعا نسبيا بعد شهور من الارتفاع. ويرى محللون أن تحسن العرض الفلاحي خلال الربيع قد يدعم استقرار مؤشر التضخم الغذائي، ما يمنح الحكومة هامشا أوسع في تدبير كلفة الدعم والاستيراد.
وفي ميزان المالية العمومية، يمثل تحسن الموسم المطري خبرا إيجابيا مزدوجا. فمن جهة يقلص نفقات دعم الأعلاف وبرامج إنقاذ القطيع، ومن جهة ثانية يرفع مداخيل العالم القروي، ما ينعكس على الجبايات غير المباشرة المرتبطة بالاستهلاك. كما أن انتعاش الفلاحة يدعم الطلب على القروض الموسمية، وهو ما تعتبره الأبناك مؤشرا حيويا على دوران السيولة في الاقتصاد الحقيقي.
من جهتهم يؤكد خبراء في الاقتصاد أن أمطار الأشهر الثلاثة الأخيرة منحت الاقتصاد المغربي “استراحة محارب” بعد سنوات الإجهاد المائي، لكنها لا تعني الخروج من منطقة الخطر. فالتغيرات المناخية جعلت التساقطات أكثر تذبذبا، بين جفاف طويل ونوبات مطرية عنيفة. وهذا النمط، وإن كان يرفع المخزون ظرفيا، يطرح تحديات تدبير الفائض، من خلال تسريع مشاريع السدود التلية، وتحلية المياه، وتحديث شبكات الري بالتنقيط.
في المقابل، قطاعات غير فلاحية تستفيد بدورها بشكل غير مباشر من عودة المطر. فالطاقة الكهرومائية تسترجع جزءا من قدرتها الإنتاجية، ما يخفف الضغط على كلفة استيراد الطاقة. كما تنتعش السياحة القروية والجبلية مع تحسن الفرشة المائية وعودة الغطاء النباتي، وهو ما تراهن عليه جهات الأطلس والريف لتنويع مداخيلها.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن كل ارتفاع بنقطة واحدة في القيمة المضافة الفلاحية يمكن أن يضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة إلى النمو الوطني، ما يفسر ارتباط توقعات المؤسسات المالية الدولية بحجم التساقطات. لذلك فالأمطار الأخيرة لم تُقرأ فقط كمؤشر مناخي، بل كإشارة اقتصادية قادرة على تعديل توقعات النمو، وتقليص عجز الميزان التجاري الغذائي، وتهدئة مخاوف الأسواق من استمرار الضغط التضخمي.
غير أن الرهان الحقيقي، كما تجمع عليه المصادر، ليس في الفرح بموسم ممطر، بل في تحويل الوفرة الظرفية إلى أمن مائي دائم. فاقتصاد لا يزال نصفه الفلاحي تحت رحمة المطر، سيظل عرضة لتقلبات السماء مهما تنوعت روافده الصناعية.







