حذر النقيب عبد الرحمن الجامعي من خطورة تراجع ثقة المواطن في المؤسسات، معتبراً أن فقدان هذه الثقة في القضاء والقانون يشكل مؤشراً مقلقاً على مستقبل دولة الحق والقانون. وتساءل، عما إذا كان المغرب مقبلاً على مرحلة قد تعود فيها مظاهر الفساد والاستبداد والانتهاكات الجسيمة، داعياً مختلف الفاعلين إلى مواصلة النضال من أجل تفادي هذا المسار.
وجاءت هذه التصريحات خلال ندوة نظمتها فدرالية اليسار الديمقراطي بنادي المحامين بالرباط حول موضوع “إصلاح العدالة وسؤال الديمقراطية”، حيث طرح الجامعي مجموعة من الأسئلة المرتبطة بواقع العدالة في المغرب، من بينها: ما المقصود اليوم بدولة القانون؟ وما تأثير التحولات الدولية على منظومة العدالة الوطنية؟ ثم ما هو أفق بناء دولة الحق والقانون في البلاد؟
وأشار الجامعي إلى أن العدالة في المغرب ما تزال تعاني من هشاشة على المستوى المؤسساتي والوظيفي، رغم أن البلاد راكمت تجربة تاريخية طويلة في المجال القضائي. غير أن هذا المسار، حسب رأيه، عرف العديد من التعثرات والانتكاسات، الأمر الذي رسخ الانطباع بأن المغرب لم ينجح بعد في تحقيق نموذج متكامل لدولة الحق والقانون. ويرتبط ذلك، في نظره، بمرحلة تاريخية اتسمت بتركيز السلطة وغياب الفصل الواضح بين السلط، إضافة إلى ممارسات من قبيل إصدار التعليمات، وعدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية، فضلاً عن المحاكمات غير العادلة وحالات الاختطاف التي تمت خارج إطار القانون.
وأضاف أن المغرب عرف لاحقاً توجهاً نحو المصالحة وجبر الضرر، خاصة بعد تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، غير أن عدداً من التوصيات الصادرة عنها لم يتم تنفيذها بعد بشكل كامل، وهو ما يجعل هذا المسار، في تقديره، غير مكتمل.
كما اعتبر أن حركة 20 فبراير شكلت لحظة مهمة في مسار النقاش حول الإصلاح السياسي والحقوقي، إذ ساهمت في خلق مناخ سياسي جديد وطرحت مطالب تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد. وقد مهد هذا الحراك، بحسب الجامعي، لإطلاق إصلاحات دستورية مهمة سنة 2011 ولإدراج إصلاح العدالة ضمن أولويات المرحلة.
ومع ذلك، يرى الجامعي أن هذه الإصلاحات لم تكن كافية لترسيخ الأسس الصلبة لدولة الحق والقانون، مشيراً إلى استمرار بعض مظاهر الإفلات من العقاب والخلط بين السلط. كما تحدث عن وضعية المؤسسة القضائية التي ما تزال، في نظره، تعاني من بعض الاختلالات المرتبطة بآليات التدبير والعلاقة بين مختلف مكوناتها.
وتوقف أيضاً عند دور النيابة العامة في توجيه العدالة الجنائية، معتبراً أن بعض التوجهات التشريعية، خاصة في قانون المسطرة الجنائية، تمنح صلاحيات واسعة للنيابة العامة والشرطة القضائية، وهو ما قد يؤثر على توازن المنظومة القضائية.
وفي سياق المقارنة الدولية، أشار الجامعي إلى أن القضاء في عدد من الدول الأوروبية يلعب دوراً مهماً في محاربة الفساد ومحاسبة المسؤولين السياسيين، مستحضراً متابعات قضائية طالت شخصيات بارزة. ويرى أن مثل هذه التجارب تعكس قوة القضاء واستقلاليته في حماية الديمقراطية.
وأكد في هذا السياق أن محاربة الفساد تبقى شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون، لأن استمرار هذه الظاهرة يقوض عمل المؤسسات ويضعف ثقة المواطنين في العدالة. لذلك شدد على ضرورة أن يتجه الجهد القضائي بشكل واضح نحو مواجهة الفساد وترسيخ مبدأ المحاسبة.







