لم يعد التشابه بين الأحزاب السياسية في المغرب مجرد ملاحظة عابرة في النقاش العمومي، بل تحول إلى موضوع يفرض نفسه بقوة داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصا مع تصاعد الجدل حول طبيعة التنافس الحزبي في السنوات الأخيرة. فالمشهد الذي تكرس بعد انتخابات 2021 كشف عن تحول تدريجي في بنية الخطاب الحزبي، حيث تراجعت الفوارق الأيديولوجية التي كانت، في مراحل سابقة، تمنح كل حزب ملامحه الخاصة وتحدد موقعه داخل الخريطة السياسية.
في فترات سابقة، كان من الممكن نسبيا قراءة هذه الخريطة من خلال المرجعيات الفكرية التي أعلنتها الأحزاب. فهناك أحزاب ارتبطت تقليديا بخطاب محافظ يستند إلى إرث الحركة الوطنية، وأخرى بنت حضورها على شعارات العدالة الاجتماعية والنضال النقابي، بينما حافظت تنظيمات أخرى على صورة الحزب المرتبط بالمجال القروي أو بالطبقات الوسطى الصاعدة. غير أن هذا التمايز أخذ يتآكل تدريجيًا خلال العقدين الأخيرين، إلى أن أصبح الخطاب الحزبي يميل أكثر إلى لغة تقنية مشتركة تركز على تدبير السياسات العمومية بدل التنافس حول المشاريع الفكرية الكبرى.
وفي هذا السياق يرى ” أحمد السرغيني” الباحث في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن ما يحدث اليوم في الحقل الحزبي المغربي ليس مجرد تقارب ظرفي بين البرامج، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة العمل السياسي نفسه.
ويوضح المتحدث ذاته، في اتصال هاتفي مع نيشان، أن الأحزاب “انتقلت تدريجيا من موقع إنتاج الأفكار والبرامج المتمايزة إلى موقع تدبير السياسات العمومية داخل إطار مرجعي شبه موحد”، مضيفا أن هذا التحول مرتبط أيضا بتغير طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تفرض لغة تقنية مشتركة على مختلف الفاعلين السياسيين.
ويظهر هذا التحول بوضوح عند مقارنة البرامج السياسية التي تقدمها مختلف الأحزاب. فالقواسم المشتركة بينها أصبحت لافتة، سواء تعلق الأمر بشعارات “الدولة الاجتماعية” أو بتنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد أو بتسريع الرقمنة وتحسين مناخ الاستثمار. وهي عناوين تحظى بإجماع واسع داخل الحقل السياسي، لكنها في المقابل تقلص مساحة الاختلاف بين البرامج، ما يجعل النقاش العمومي يدور في كثير من الأحيان حول تفاصيل التنفيذ بدل طبيعة الاختيارات السياسية نفسها.
ويعتبر المحلل السياسي ذاته أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة غياب النقاش السياسي بالكامل، لكنه يعكس انتقاله من مستوى الصراع الأيديولوجي إلى مستوى النقاش حول النجاعة التدبيرية. ويضيف أن “الأحزاب لم تعد تتنافس حول نماذج اقتصادية متعارضة كما كان الحال في فترات سابقة، بل حول القدرة على تنفيذ نفس السياسات بطرق مختلفة”.
هذا التقارب في الخطاب لا ينفصل عن التحولات التي عرفتها تركيبة النخب السياسية داخل الأحزاب. ففي السنوات الأخيرة، برز حضور متزايد لأطر قادمة من عالم الإدارة أو القطاع الخاص داخل مواقع المسؤولية السياسية. ومع توسع هذا الحضور، أخذت لغة التدبير التقني تفرض نفسها داخل النقاش الحزبي، حيث أصبح التركيز منصبا على مفاهيم مثل النجاعة والحكامة والتدبير بالنتائج. وبذلك تحولت صورة المسؤول السياسي، في كثير من الحالات، من فاعل يحمل رؤية سياسية واضحة إلى إطار مكلف بتدبير ملفات وبرامج محددة.
وفي هذا الصدد، يشير الباحث نفسه إلى أن “صعود الأطر التقنية داخل الأحزاب ليس ظاهرة مغربية خالصة، بل يعكس تحولا أوسع تشهده عدد من الأنظمة السياسية”، لكنه يضيف أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في سرعة هذا التحول مقارنة بتاريخ الحياة الحزبية في البلاد، حيث كانت التنظيمات السياسية تقليديا مدارس لتكوين النخب السياسية عبر مسارات تنظيمية طويلة.
وفي موازاة ذلك، شهدت الحياة الحزبية بدورها تحولات في طبيعة اشتغالها التنظيمي. فالكثير من الأحزاب باتت تنشط بشكل مكثف خلال الفترات الانتخابية، خصوصا في ما يتعلق بتدبير التزكيات وإعداد اللوائح، بينما يتراجع حضورها السياسي والتنظيمي خلال الفترات الفاصلة بين الاستحقاقات. ويواكب هذا التحول تزايد ظاهرة انتقال المنتخبين بين الأحزاب المختلفة، وهي ظاهرة تعزز الانطباع بأن الانتماء الحزبي لم يعد محددا أساسيًا للهوية السياسية بقدر ما أصبح إطارًا تنظيميًا لخوض المنافسة الانتخابية.
ويقول المتحدث ذاته إن هذه الظاهرة “تعكس في جزء منها تحولا في منطق العمل الحزبي، حيث أصبحت الاعتبارات الانتخابية والمحلية أكثر تأثيرا من الاعتبارات الأيديولوجية”، مضيفا أن ذلك يساهم في ترسيخ صورة الأحزاب لدى جزء من الرأي العام باعتبارها أدوات انتخابية أكثر منها فضاءات للنقاش السياسي.
وتنعكس هذه التحولات أيضا على موقع المعارضة داخل المشهد السياسي. فحين تُطرح السياسات العمومية في قالب تقني يعتمد على المؤشرات الاقتصادية والبرامج القطاعية، يصبح النقاش السياسي أكثر ميلاً إلى مناقشة الأرقام والنتائج المرحلية، بدل أن يتحول إلى مواجهة واضحة بين خيارات سياسية متعارضة. وفي هذا السياق، تبدو الفوارق بين خطاب الأغلبية وخطاب جزء من المعارضة محدودة في عدد من القضايا الكبرى.
ويرى الباحث في العلوم السياسية أن هذا الوضع يضع المعارضة أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل من جهة في ضرورة مراقبة الأداء الحكومي، ومن جهة أخرى في إنتاج خطاب سياسي قادر على تقديم بدائل مقنعة داخل نفس الإطار المرجعي الذي أصبحت تتحرك فيه السياسات العمومية.
وتثير هذه المعطيات نقاشا أوسع حول طبيعة الدور الذي تضطلع به الأحزاب في النظام السياسي. فالتنظيمات الحزبية شكلت تاريخيا فضاءات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين وتكوين النخب السياسية. غير أن التحولات التي يشهدها الحقل الحزبي تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه التنظيمات على الحفاظ على هذه الوظائف في ظل صعود المقاربة التدبيرية داخل العمل السياسي.
كما أن هذا الوضع يطرح تحديات إضافية على مستوى علاقة الأحزاب بالمجتمع، خاصة مع بروز أجيال جديدة من المواطنين تتابع النقاش السياسي أساسا عبر الفضاء الرقمي. فغياب التمايز الواضح بين البرامج والخطابات قد يساهم في توسيع فجوة الثقة بين جزء من الرأي العام والمؤسسات الحزبية، وهو ما يجعل النقاش حول مستقبل الحياة السياسية في المغرب يتجاوز مسألة التنافس الانتخابي ليشمل أيضا طبيعة الأدوار التي يفترض أن تضطلع بها الأحزاب داخل المجال العام.
وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن النقاش حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب يتجه أكثر نحو البحث عن سبل استعادة التمايز السياسي وإعادة بناء الخطاب الحزبي على أسس قادرة على الجمع بين متطلبات التدبير التقني للشأن العام والحاجة إلى مشاريع سياسية واضحة المعالم. وهو نقاش مرشح للاستمرار مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة وما تثيره من أسئلة حول طبيعة المنافسة السياسية واتجاهات المشهد الحزبي في السنوات القادمة.







