على بعد أشهر قليلة من الانتخابات المرتقبة في 23 شتنبر القادم، يبدو المشهد السياسي المغربي خارج السياق الانتخابي تماما. فلا مؤشرات على تحريك المياه الراكدة للنقاش العمومي، ولا دينامية حزبية توحي بأن البلاد مقبلة على استحقاق سياسي وازن، باستثناء ما يرشح من خلافات أو توافقات حول منح التزكيات.
في “كهوف” الأحزاب، يسود نوع من البرود غير المسبوق.. صمت ثقيل يخيم على الفاعلين السياسيين، وكأن الانتخابات فقدت قدرتها على إثارة الاهتمام، حتى داخل الحقل الحزبي نفسه. هذا المعطى لا يعكس فقط فتورا ظرفيا، بل يكشف تحولا أعمق في علاقة الفاعل السياسي بالنقاش العمومي.. فالأحزاب لم تعد قادرة على إنتاج “النشاط السياسي” ولا على فرض إيقاع النقاش العمومي الذي تفرضه مثل هذه المحطات، لتضع حدا على الأقل لسنوات من الجفاف.
هذا العجز عن خلق الحيوية السياسية يتقاطع مع تحولات اجتماعية عميقة، أبرزها صعود ما يعرف بـ”جيل زد”، الذي أعاد تعريف العلاقة مع السياسة خارج القنوات التقليدية. فهذا الجيل لا ينتظر الأحزاب لكي يتفاعل مع القضايا العامة، بل يصنع فضاءاته الخاصة في التعبير والنقاش والاحتجاج. وهو ما جعل السياسة تنتقل جزئيا من المؤسسات إلى الفضاءات الرقمية والشارع، حيث تطرح القضايا بشكل أكثر مباشرة وجرأة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر في التجاوب مع المطالب وخلق نوع من التوازن مع العمل المؤسساتي الذي له إكراهاته وتحدياته.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن العزوف الانتخابي قاصرا عن توصيف الواقع، ذلك أن الخلل لا يتعلق بغياب الاهتمام، بل بانفصال متزايد بين المجتمع والعرض السياسي القائم. فالشباب، في واقع، يهتمون بالفضاء العام لكنهم يعبرون عن مواقفهم بطرق مختلفة، خارج الإطار الحزبي، والأخطر خارج الفضاء المؤسساتي. إنهم حاضرون بقوة في النقاش العمومي، لكنهم غائبون عن صناديق الاقتراع، وهذه المفارقة هي جوهر الأزمة.
وتتجلى هذه الأزمة بشكل أوضح في ضعف العرض السياسي نفسه. فالأحزاب، في جزء كبير منها، لم تنجح في مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، سواء على مستوى القيم أو الانتظارات. خطابها لا يزال تقليديا، وبرامجها غالبا ما تبدو بعيدة عن الأولويات اليومية للمواطنين. ومع مرور الوقت، تحولت من مؤسسات للتأطير والوساطة بين الدولة والمجتمع، إلى فاعل انتخابي موسمي، يتحرك أساسا في لحظات استقطاب الأصوات، دون قدرة حقيقية على الاستمرارية في الفعل السياسي ما بعد الإعلان عن النتائج.
انطلاقا من هذا الواقع، يمكن تصور عدة سيناريوهات للمشاركة في انتخابات شتنبر، لكنها جميعا ترتبط بسؤال واحد: هل ستتمكن الأحزاب من استعادة دورها كمحرك للحياة السياسية، أم ستستمر في فقدان المبادرة؟
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا لدى المتشائمين، يتمثل في استمرار العزوف، خاصة في أوساط الشباب. في هذا الوضع، ستجرى الانتخابات في جو من البرود السياسي وستفرز لنا نفس جينات النخب التي تؤثث المؤسسات المنتخبة اليوم، لكنها ستظل تعاني من ضعف في الشرعية السياسية الفعلية.. وسيكون ذلك نتيجة طبيعية لغياب دينامية حزبية قادرة على التعبئة والإقناع.
في المقابل، يبرز احتمال سيناريو ثان يقوم على “المشاركة الاحتجاجية”، حيث يتحول التصويت إلى أداة لمعاقبة النخب الحزبية القائمة. هنا، لا يعزف الناخب عن الإدلاء بصوته، بل يشارك بدافع الرفض، ما قد يؤدي إلى بروز وجوه جديدة أو إعادة ترتيب موازين القوى، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرا عميقا في بنية الحقل السياسي.
أما السيناريو الثالث، فيرتبط بإمكانية إدماج جزئي للشباب داخل العملية السياسية، من خلال تقديم نخب جديدة أو تبني خطاب أكثر قربا من انتظاراتهم. وهذا السيناريو ينسجم مع المجهود الذي تبذله الدولة في تشجيع الشباب، سواء من خلال لوائح المستقلين أو الدعم العمومي الذي يقدم لهم.
ويبقى السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو استمرار الانفصال بين الأحزاب والمجتمع. في هذه الحالة، تصبح الانتخابات حدثا محدود التأثير، بينما تنتقل الحيوية السياسية إلى فضاءات أخرى، خارج المؤسسات. هنا، لا يكون التحدي في نسبة المشاركة، بل في معنى السياسة نفسها، وفي قدرة الأحزاب على البقاء فاعلا مركزياً داخلها.
مع ذلك، لا يمكن استبعاد إمكانية حدوث تحول تدريجي، تستعيد فيه الأحزاب جزءا من دورها، إذا ما تمكنت من تجديد خطابها، والانخراط الفعلي في قضايا المجتمع، وخلق نقاش عمومي حقيقي. ذلك أن الأشهر المتبقية تشكل فرصة حقيقية لتستعيد هذه الأحزاب زمام مبادرة التواصل مع المغاربة، وأن تستغل مختلف القنوات والآليات الممكنة، على الأقل لتعرفهم ببرامجها وبحصيلتها إن وجدت.
في النهاية، لا تبدو انتخابات شتنبر 2026 مجرد موعد انتخابي عادي، بل لحظة كاشفة لوضع الحقل الحزبي وحدوده. فإذا كان البرود الحالي على مستوى الفضاء العمومي يعكس أزمة في القدرة على التعبئة، فإن الرهان الحقيقي يرتبط الآن بقدرة الأحزاب على استعادة المبادرة، أو أنها ستترك السياسة تتشكل خارج صناديق الاقتراع.. وإن كانت فئة من الفاعلين ترفع أكف الضراعة حتى تنخفض نسبة المشاركة وتنجح في استقطاب كتلة انتخابية على المقاس.
نــيــشــان H24
- القنيطرة.. مطالب بفتح تحقيق في اختلالات “معهد الفوارات” وإنقاذ الحوار الاجتماعي
- يا أخنوش.. خذ الحكمة من والي بنك المغرب
- نقابة تعليمية تطالب بزيادة عامة في الأجور وربطها بالتضخم
- عنوان بطاقة التعريف…مستجدات تجعل الحكم يصدر ضدك دون علمك
- لائحة التعيينات في المناصب العليا بالمجلس الحكومي
- “الكاش” يواصل الزحف.. 491 مليار درهم خارج الأبناك في المغرب
- تسريح حراس الأمن بالمستشفيات يجر الكدش لمراسلة “التهراوي”
- بعد الرباط.. القنيطرة تستعد لتركيب كاميرات للمراقبة بالفضاء العام
- تعثر “سيلا أتلانتيك”.. الرباط تشترط اتفاقا حكوميا مع برلين
- كيف فكك الجواهري رواية أخنوش أمام الملك؟






