بينما تواصل الأرقام القادمة من أنقرة صعودها “الصاروخي” لتستقر عند عتبة 1.026 مليار دولار كقيمة لصادراتها نحو المملكة في الربع الأول من 2026، يسود ترقب حذر في الأوساط الاقتصادية المغربية التي لا ترى في هذا الرقم مجرد “نجاح تجاري”، بل جرس إنذار يعيد طرح الأسئلة الوجودية حول كلفة “الانفتاح الصناعي” وجدوى الشراكة التي تميل كفتها دوماً لجهة واحدة.
فخلف بريق هذه الأرقام التي تروج لها الجمعيات المهنية التركية، يختبئ عجز تجاري هيكلي يمتص السيولة من العملة الصعبة، ويضع المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة في مواجهة غير متكافئة مع “تسونامي” صناعي مدعوم بسياسات نقدية تركية جريئة ومحفزات حكومية لا تترك للبديل المحلي فرصة للمنافسة.
وتكشف مصادر اقتصادية مطلعة ، في قراءة نقدية لهذا المسار، أن “الفخ” يكمن في طبيعة هذه المبادلات؛ فالمغرب الذي يفتح أبوابه وموانئه لآلات ومنسوجات وقطع غيار تركية بأسعار تنافسية، يجد نفسه أمام اتفاقية تبادل حر وصفتها بعض الدوائر المهنية بـ”حصان طروادة” الذي يهدد السيادة الصناعية.
وتؤكد هذه المصادر لـ “نيشان“، أن الحديث عن “نقل التكنولوجيا” يظل في أحيان كثيرة مجرد “واجهة ديبلوماسية”، بينما تظل الاستثمارات التركية المباشرة في المغرب منحصرة في قطاعات استهلاكية أو خدماتية (عقار وتوزيع) لا تساهم في نقل “الأسرار الصناعية” الحقيقية، بقدر ما تهدف إلى استغلال المنصة اللوجستية للمملكة كمعبر نحو العمق الأفريقي والسوق الأوروبية، مستفيدة من وسم “صنع في المغرب” للالتفاف على القيود التجارية الدولية.
وفي هذا السياق، تشتد الانتقادات الموجهة لآليات المراقبة الوطنية؛ حيث يرى فاعلون في قطاعي النسيج والصناعات الغذائية أن إجراءات حماية المنتوج الوطني لا تزال تتسم بـ”البطء البيروقراطي” أمام سرعة التغلغل التركي.
فبينما تكتفي “لجنة مراقبة الواردات في المغرب”، بدراسة ملفات الإغراق لشهور، تكون الأسواق المحلية قد غُمرت بمنتجات لا تعكس قيمتها الحقيقية، مما يطرح تساؤلاً جوهريا حول قدرة النسيج المقاولاتي المغربي على الصمود أمام نموذج “الاحتكار التجاري الناعم” الذي تنهجه أنقرة.
وترى المصادر أن الرهان المغربي في 2026 على “الشراكة الذكية” يواجه اختبارا حاسما، فإما انتزاع التزامات استثمارية ثقيلة في قطاعات استراتيجية كالطيران والدفاع والطاقة المتجددة توازي حجم النزيف التجاري، أو التسليم بأن المغرب بات “مجرد سوق” لتمويل الطموحات الصناعية التركية على حساب مشروعه التنموي الخاص.







