بين لغة “الخطابة” السياسية التي تميل إلى رسم صورة وردية عن الوضع المالي للمملكة، وبين صرامة البيانات المحاسباتية الصادرة عن المؤسسات الدستورية، يبدو أن ملف المديونية العامة بالمغرب قد دخل نفق “الارتباك الرقمي” بعد الخرجات الأخيرة لمسؤولي وزارة الاقتصاد والمالية.
ففي الوقت الذي تصر فيه الوزيرة نادية فتاح علوي على أن المديونية في “منحى تنازلي”، تكشف الأرقام الباردة عن واقع مغاير تماما يضع الحكومة في مواجهة تساؤلات حارقة حول الشفافية المالية؛ إذ تشير المعطيات المتطابقة إلى أن حجم المديونية العامة قفز من نحو 930 مليار درهم عند تسلم الحكومة الحالية لمهامها، ليصل اليوم إلى عتبة 1140 مليار درهم، مسجلاً بذلك ارتفاعاً مهولاً في ظرف سنوات قليلة.
هذه القفزة، التي تحاول التقارير الرسمية تغليفها بلغة “النجاعة”، تعني بلغة المندوبية السامية للتخطيط (HCP) أن نسبة الدين انتقلت من 75.6% إلى 79.2% من الناتج الداخلي الخام، مما يفند سردية “الانخفاض” التي يتم الترويج لها في المقابلات الإعلامية، ويؤكد أننا أمام “استدانة متسارعة” تغذي ميزانيات التسيير أكثر مما تحفز قاطرة النمو الحقيقي.
وتفيد مصادر مطلعة على كواليس تدبير الدين العام، بأن “النشوة” التي تبديها الحكومة تجاه تحسن تصنيف المغرب لدى وكالات التنقيط الدولية، مثل “ستاندرد أند بورز” أو “موديز”، لا تعكس بالضرورة رفاهية اقتصادية أو تحسناً في المعيش اليومي للمغاربة، بقدر ما تعكس صورة المغرب “كتلميذ نجيب” في نظر الدائنين والمؤسسات المالية الدولية.
فالمغرب، بحسب خبراء اقتصاديين، يحصل على “نقط جيدة” لأنه يلتزم بجدولة التسديد ويحافظ على استقراره الأمني والسياسي، وهو ما يجعله “مقترضا موثوقا” لا “اقتصادا صاعدا” بالمعنى البنيوي، مما يطرح إشكالية استدامة هذا النموذج الذي يعتمد على الاقتراض لسداد ديون سابقة أو لسد ثقوب الميزانية.
هذا “الهروب نحو الأمام” يثير مخاوف جدية داخل الصالونات الاقتصادية بالرباط حول كلفة هذه المديونية على السيادة القرار الاقتصادي مستقبلاً، خاصة وأن الخطاب الحكومي يفتقد للوضوح في كشف مصادر هذه الديون وأوجه صرفها الحقيقية، مكتفياً بـ”الإنشاء” وتجنب لغة البيانات المقارنة التي تفضح الهوة بين الوعود والنتائج.
ووفقا للمصادر ذاتها، فإن الإصرار على تقديم تحسن “التنقيط الائتماني” كإنجاز تاريخي، في ظل وصول الدين الإجمالي لمستويات قياسية، يكرس نوعاً من “التضليل المؤسساتي” الذي يحجب الحقائق عن المواطن البسيط؛ فبينما يفتخر “صقور المالية” برضا البنك الدولي وصندوق النقد، يواجه الواقع الاجتماعي نزيفا حاداً يتمثل في تضخم لا ينعكس في الأرقام الرسمية وبطالة بلغت مستويات غير مسبوقة.
وتؤكد مصادر “نيشان” أن الاستمرار في سياسة “الاقتراض الصامت” وتجميل مؤشرات المديونية عبر التلاعب بالنسب المئوية مقابل الناتج الداخلي الخام، لن يصمد طويلاً أمام حقيقة الأرقام التي بدأت تضيق الخناق على الهوامش المالية للحكومة المقبلة، مما يجعل من ملف المديونية “قنبلة موقوتة” يتم ترحيل فتيلها من سنة إلى أخرى، وسط غياب تام لنقاش عمومي شفاف يضع حداً لسياسة “الصك على بياض” التي يمنحها المقرضون الدوليون لحكومة تبرع في فن “التدبير المحاسباتي” وتتعثر في تحقيق “التنمية الاجتماعية” الموعودة.







