تعد أزمة تدبير الملكية المشتركة في المغرب من أعقد الملفات التي تراوح مكانها بين رفوف المحاكم وردهات البنايات السكنية، حيث يكشف الواقع الميداني عن “ردة قانونية” تجعل من القانون رقم 18.00، المعدل بالقانون 106.12، نصاً معطلاً أمام تغول العشوائية.
فبينما ينص المشرع في المادة 13 على ضرورة وجود نظام دقيق للملكية المشتركة، وفي المادة 26 على إلزامية تعيين “سنديك” كوكيل لاتحاد الملاك، يصطدم المواطن المغربي بواقع “السنديك الصوري” الذي يستخلص الجبايات خارج إطار القانون، وفي غياب تام لأي رقابة من السلطات الوصية، مما يحول الملك المشترك إلى “فضاء مباح” للاحتلال والصراعات الجانبية التي تنهك قوى القضاء بملفات كان يمكن حسمها إدارياً بقرارات زجرية بسيطة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء في القانون العقاري في حديث لـ “نيشان”، أن الإشكال يكمن في “غياب الصفة التنفيذية التلقائية” لقرارات اتحادات الملاك، حيث يضطر “السنديك” النظامي لولوج مساطر قضائية طويلة ومرهقة لاستخلاص الواجبات أو رفع ضرر ناتج عن سلوك أناني لأحد الملاك.
ويؤكد فقهاء القانون أن الدولة، ممثلة في وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، مطالبة اليوم بابتكار نظام “الضبطية العقارية” الذي يمنح للسلطات المحلية صلاحية التدخل الفوري لمعاينة مخالفات الملكية المشتركة وتحرير محاضر ذات قوة ثبوتية، بدل ترك المواطن وحيداً في مواجهة “لوبيات العشوائية” داخل العمارات، مع ضرورة إقرار إلزامية التدبير الاحترافي عبر شركات متخصصة لقطع الطريق على المتطفلين الذين يقتاتون من غياب الشفافية المالية.
وعلى المستوى التشريعي، تتعالى أصوات برلمانية من داخل لجنة القطاعات الإنتاجية ولجنة العدل والتشريع بضرورة إجراء “تعديل ثوري” على القانون القائم، حيث تشير تقارير برلمانية سابقة إلى أن المسطرة الحالية لعقد الجموع العامة (المادة 19) تظل معقدة وتساهم في إفشال أي محاولة للإصلاح بسبب غياب النصاب القانوني الناتج عن عزوف الملاك.
وترى هذه المصادر أن تعديل النص بات ضرورة ملحة لتبسيط مساطر الحجز التحفظي على شقق الممتنعين عن الأداء، وتخفيف العبء عن المحاكم عبر إحداث “آليات وسيطة” للصلح والتحكيم تحت إشراف السلطات المحلية، مع فرض جزاءات مالية ثقيلة على كل من يثبت في حقه عرقلة تسيير الملك المشترك أو الاستيلاء على فضاءاته العامة بدون وجه حق.
ووفقا للمصادر، فإن استمرار هذا الفراغ التنفيذي هو إعلان صريح عن فشل المقاربة النظرية في حماية الثروة العقارية الوطنية، حيث تتحمل الدولة المسؤولية التقصيرية في عدم إنفاذ مقتضيات القانون وحماية الملاك المنضبطين من تغول الأغلبية الصامتة أو الأقلية العابثة.
وبحيب ذات المصادر، فإن الحل لا يتطلب صياغة نصوص جديدة بقدر ما يتطلب إرادة سياسية لتبسيط المساطر القائمة، وجعل “السكن المشترك” فضاءً يحكمه القانون وليس منطق “القوة” والتهرب من المسؤولية، صوناً لجمالية الحواضر المغربية وحمايةً للسلم الاجتماعي الذي يبدأ من حسن الجوار.







