في السياسة، ليست كل التصريحات مجرد كلمات عابرة. بعضها يكشف، أحياناً دون قصد، الطريقة التي تنظر بها الحكومة إلى المواطنين وإلى مستوى تطلعاتهم. ومن هذا المنطلق، أثارت عبارة محمد شوكي بأن المغاربة “واكلين شاربين خدامين” الكثير من الجدل، ليس بسبب صيغتها فقط، بل بسبب ما تحمله من دلالات سياسية عميقة.
فحين يُختزل تقييم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في كون المواطنين ما زالوا يأكلون ويشربون ويشتغلون، يصبح من المشروع التساؤل: هل هذا هو المعيار الذي تقيس به الأغلبية الحكومية نجاحها؟ وهل هذا هو السقف الذي انتهت إليه الوعود التي قُدمت للمغاربة خلال الانتخابات؟
لقد بُني جزء كبير من الخطاب الانتخابي للأغلبية الحالية على وعود واضحة ومحددة. الحديث لم يكن عن ضمان الحد الأدنى من العيش، بل عن تحسين القدرة الشرائية، وتعزيز مكانة الطبقة المتوسطة، وخلق فرص الشغل، وتحقيق الإقلاع الاقتصادي، وتوفير شروط حياة أفضل للمواطنين. كانت الرسالة الأساسية آنذاك أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة عنوانها النجاعة في التدبير وتحويل النمو الاقتصادي إلى أثر مباشر في حياة المواطنين.
لكن بعد سنوات من تولي المسؤولية، يبدو أن النقاش انتقل من سؤال: “ماذا تحقق من تلك الوعود؟” إلى سؤال آخر أقل طموحاً: “هل ما زال المواطن قادراً على تدبير أموره اليومية؟”.
وهنا تكمن المفارقة. فالمواطن لا ينتظر من الحكومة أن تذكره بأنه ما زال يأكل ويشرب، لأن ذلك ليس إنجازاً سياسياً في حد ذاته، بل الحد الأدنى الذي يفترض أن يكون متاحاً في أي مجتمع. الإنجاز الحقيقي يقاس بمدى تحسن ظروف العيش، وبقدرة الأسر على الادخار، وبفرص الشباب في الولوج إلى الشغل الكريم، وبقدرة الطبقة المتوسطة على الحفاظ على موقعها دون أن تتآكل تحت ضغط الغلاء.
فما معنى أن يكون المواطن “خداماً” إذا كان دخله يفقد جزءاً من قيمته الشرائية عاماً بعد آخر؟ وما معنى أن يكون “شارباً وآكلاً” إذا كانت أسعار المواد الأساسية تستنزف حصة متزايدة من دخله؟ إن المجتمعات لا تتقدم عندما ينجح الأفراد في تدبير حاجاتهم الأساسية فقط، بل عندما يشعرون بأن جهودهم تترجم إلى تحسن ملموس في مستوى عيشهم، وأن العمل الذي يبذلونه يفتح أمامهم آفاقاً أفضل لا أن يبقيهم في دائرة تدبير الضروريات.
إن عبارة “واكلين شاربين خدامين” تعكس، بشكل غير مباشر، تحولاً في طبيعة الخطاب الحكومي. فبدل الحديث عن مؤشرات التقدم، يصبح الحديث عن مؤشرات الصمود. وبدل قياس النجاح بما تحقق من الوعود، يتم قياسه بمدى قدرة المواطنين على التعايش مع الصعوبات.
ولهذا تبدو عبارة شوكي، من حيث لا يدري ربما، تعبيراً عن أزمة أعمق تعيشها الأغلبية الحكومية. فالحكومة التي رفعت سقف التوقعات لدى المغاربة من خلال وعودها الانتخابية الكبيرة، تجد نفسها اليوم أمام حصيلة تفرض عليها الدفاع عن الواقع أكثر من الاحتفاء بالمنجزات. وبدل أن ينصب النقاش على ما تحقق من تحسين للقدرة الشرائية أو على حجم التحولات التي مست الحياة اليومية للمواطنين، أصبح جزء مهم من الخطاب السياسي موجهاً لتفسير الاختلالات وتبريرها.
وهنا يظهر التحول الأخطر: الانتقال من خطاب الوعد إلى خطاب التبرير.
فالحكومات تُنتخب على أساس البرامج والالتزامات، وتُحاسب على أساس النتائج. وعندما يصبح الحديث عن الإكراهات والظروف والصعوبات أكثر حضوراً من الحديث عن الحصيلة والإنجازات، فإن ذلك يعكس وجود فجوة بين ما تم التعهد به وما تم تحقيقه على أرض الواقع.
ومن اللافت أيضاً أن مثل هذه التصريحات تأتي في سياق يتزايد فيه شعور فئات واسعة من المواطنين بضغط تكاليف المعيشة. لذلك فإن الرد على هذه المخاوف بالتأكيد على أن الناس ما زالوا يأكلون ويشربون ويعملون لا يعالج جوهر المشكلة، بل قد يعطي الانطباع بأن حجم التحديات التي يعيشها المواطنون لم يعد يُنظر إليه من الزاوية نفسها التي ينظرون منها إلى واقعهم اليومي.
في النهاية، قد تكون عبارة “واكلين شاربين خدامين” مجرد جملة عابرة في نظر صاحبها، لكنها سياسياً تعكس مفارقة كبيرة. فالأغلبية الحكومية وصلت إلى المسؤولية على أساس وعود برفع مستوى العيش وتحسين أوضاع المواطنين، بينما يبدو أن جزءاً من خطابها اليوم يكتفي بالتأكيد على أن المواطنين ما زالوا قادرين على الاستمرار.
وبين الوعد بحياة أفضل، والاكتفاء بالقول إن الناس ما زالوا “واكلين شاربين خدامين”، يبرز السؤال الذي سيظل حاضراً في تقييم هذه التجربة الحكومية: هل نجحت الحكومة في تحقيق ما وعدت به المغاربة، أم أنها نجحت فقط في إقناع بعض مسؤوليها بأن الحد الأدنى أصبح إنجازاً يستحق الاحتفاء؟







