كشفت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب الصرف بشأن الانتعاش القياسي لعائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج عن مفارقة هيكلية مقلقة داخل الاقتصاد الوطني، تتجاوز منطق الاحتفاء الرسمي بالأداء المالي لتثير تساؤلات جوهرية حول مدى استدامة الرهان على قطاعين شديدي التأثر بالمتغيرات الخارجية كدعامة أساسية لتوازن الحسابات الخارجية، في ظل استمرار اتساع العجز التجاري بفعل الارتفاع المتواصل للواردات خلال سنة 2026.
وترى مصادر مطلعة أن هذا التدفق المستمر للعملة الصعبة، رغم أهميته الحيوية في الحفاظ على توازن ميزان المدفوعات على المدى القصير، بات يشكل نوعا من “صمام الأمان الظرفي” الذي يمنح صناع القرار الاقتصادي هامشا من الارتياح، في وقت تستمر فيه الاختلالات البنيوية التي تعاني منها القطاعات الإنتاجية الوطنية.
وفي هذا السياق، يعتبر حميد البكاري، المحلل المالي والخبير في السياسات النقدية، أن الاعتماد المتزايد على عائدات السفر وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج كآلية دائمة لدعم الاقتصاد الوطني ينطوي على مخاطر حقيقية، موضحاً أن هذه الموارد تظل رهينة بعوامل خارجية لا تخضع للتحكم المحلي، من بينها التطورات الجيوسياسية والضغوط التضخمية التي تعرفها بلدان الاستقبال، خصوصاً دول الاتحاد الأوروبي.
وأضاف البكاري، في تصريح هاتفي لـ”نيشان”، أن هذا النموذج الاقتصادي يكرس، إلى حد ما، مظاهر ما يعرف بـ”المرض الهولندي” في نسخته المغربية، حيث يؤدي التركيز على العائدات المرتبطة بالخدمات والتحويلات إلى إضعاف الحوافز الموجهة نحو تطوير قاعدة صناعية وفلاحية أكثر متانة، قادرة على تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص مستويات التبعية للخارج.
ويرى المتحدث ذاته “أن أي صدمة أمنية أو صحية أو اقتصادية عالمية قد تنعكس بشكل مباشر على هذه الموارد، بما يحمله ذلك من تداعيات على التوازنات الاقتصادية الوطنية.”
ويتقاطع هذا الطرح مع نقاشات متداولة داخل دوائر القرار المالي، إذ كشف مصدر مسؤول بمديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، فضل عدم الكشف عن هويته، أن الأرقام الإيجابية المسجلة في القطاع السياحي تخفي، في المقابل، نقاشات داخلية حول حدود قدرة هذه العائدات على الاستمرار في دعم التوازنات الماكرو اقتصادية، لاسيما في ظل تنامي الاحتياجات التمويلية للمملكة.
وأكد المصدر أن التخوف الأساسي لا يرتبط بحجم هذه العائدات في حد ذاته، وإنما بمدى قدرتها على مواكبة الارتفاع المستمر في متطلبات التمويل الخارجي. وأشار إلى أن استمرار العجز التجاري يفرض على المغرب اللجوء إلى آليات التمويل والاقتراض الخارجي لتغطية جزء من فاتورة الواردات، خصوصاً المتعلقة بالطاقة والمواد الأساسية، ما يجعل جزءاً مهماً من الموارد المتأتية من السياحة وتحويلات مغاربة العالم موجهاً للحفاظ على التوازنات المالية أكثر من توجيهه للاستثمار المنتج.
وترى المصادر أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تكريس منطق تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، إذ كان من الممكن أن تشكل هذه الموارد الاستثنائية فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر دخله وتعزيز قدرته الإنتاجية، بدل الاقتصار على توظيفها في معالجة الاختلالات الظرفية وضمان استمرارية التوازنات المالية.
وتخلص المصادر ذاتها، إلى أن المليارات التي تضخها السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في الاقتصاد الوطني، رغم أهميتها البالغة وانعكاساتها الإيجابية على المؤشرات المالية، تبرز في الوقت نفسه استمرار هشاشة بعض التوازنات البنيوية، في ظل ارتباط جزء مهم من موارد البلاد بعوامل خارجية، واستمرار الضغط الذي تمارسه فاتورة الواردات على المالية الخارجية للمملكة.







