الوزير برادة يبدو اليوم مجرد وزير صغير وتائه…
وزير سُلِّمت له حقيبة لا يعلم ما بداخلها، لذا فضّل أن يمنحها لبعض “البراهيش” الذين جلبهم بنموسى، وللعجزة الذين عيّنهم الوزير “الأزرق”، والذين صاروا يراكمون فضيحة تلو أخرى، ويجرّون القطاع نحو مستنقع برنامج استعجالي جديد.
برادة الذي تلاحقه الفضائح منذ اليوم الأول لتعيينه اختار أن يُنتج لنا فضيحة جديدة من باب محاربة الغش.
الرجل صاحب “النمذجة” “باع لنا القرد” عبر 2000 جهاز جعل الوزارة أضحوكة أمام التلاميذ والأساتذة، بعد أن اتضح أن الجهاز عبارة عن “قشاوش” محمولة في “صاكادو” كلف ميزانية الوزارة فاتورة ضخمة يحتفظ برادة بقيمتها في درج مكتبه.
الغش الحقيقي الذي كان يتعين محاربته عبر المحاسبة والمحاكمة هو ما وقع وما يقع من عبث في صفقات بمئات الملايير من طرف وزارة يُفترض أنها مؤتمنة على مستقبل وتربية أبناء المغاربة.
وزارة صارت رائحة ما يقع فيها تُشم خارج سور باب الرواح.
وزارة أنجبت لنا “المدرسة الرائدة”، وفرّخت من خلالها عشرات الصفقات التي التهمت مئات المليارات وخلقت لنا في النهاية مدرسة مشوهة وبدون ملامح.
والواقع أن كل من يتابع “كلام الخشب” الذي يواجه به برادة أسئلة البرلمانيين حول واقع المدرسة العمومية، ونسب الهدر المدرسي المخيفة، و”الوزيعة” في التعيينات، سيخرج بقناعة أن الرجل أخطأ العنوان ودخل الوزارة الخطأ.
الرجل يبدو إلى الآن مشتت الأفكار، باستثناء صراخه الدائم داخل الوزارة، وعاجز عن فهم أو تقديم أي جديد.
وزير مستسلم للإنشاء الذي سلمه له المتحكمون الفعليون بالوزارة، والذين أوصلوا المدرسة العمومية إلى القاع وحطموا ثقة المغاربة فيها بفعل مخططات نعلم جميعًا مصيرها.
هؤلاء بقوا في مناصبهم مكافأة لهم على ذلك، وعلى رأسهم المفتش العام، الذي نشرت نقابة معصيد غسيله القديم والجديد، لكن برادة وضع فوق رأسه قبعة الكاتب العام بعد التخلص من السحيمي.
برادة، الذي يضيع وقت المغاربة وحق أبنائهم في تعليم عمومي جيد في “تفريق اللغا” حول فوائد ومعجزات المدرسة الرائدة، يتعامى عن حقيقة أنه، رغم مشاريع “الإصلاح” والمليارات التي صُرفت على قطاع التعليم، فقد سبق للبنك الدولي أن شبّهنا بمن يصب الماء في الرمل، حين كشف أن 66٪ من الأطفال المغاربة في سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نص بسيط. وها نحن اليوم نفيق على حقيقة أننا نحتل الرتبة 112 في مجال التعليم.
البنك الدولي قال إنه منحنا 5000 مليار لإصلاح التعليم، وأنه لا حل لنا للخروج من وضعنا الحالي سوى بتعزيز رأس المال البشري، وشدد على أن نتائج التعليم هي أفضل المؤشرات للتنبؤ بالنمو المستدام في البلد، وأفضل وسيلة للحد من انتقال الفقر من جيل إلى جيل.
ليس هذا فقط، بل قال أيضًا إن الدولة تتهرب من الإصلاح الحقيقي للتعليم، والذي لا ينبغي اختزاله في الميزانيات والدراسات فقط.
بعد كل هذا، نعاين السي برادة وهو يستهلك المزيد من المال والوقت في التكوينات والتصريحات وشراء أجهزة “عاشوراء”، ويتمادى في تعيين من يتقنون التطبيل له في مناصب المسؤولية.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي أكد بدوره أن مشاريع إصلاح التعليم قفزت على عدد من الأعطاب الأساسية، وغرقت في “الإيديولوجيا والحسابات السياسية”.
حسابات فرضت في نهاية المطاف عودة الملايين من أبناء المغاربة إلى حظيرة الفرنكفونية، ضدًا على المنطق الذي اعتمدته جميع دول العالم، بما فيها فرنسا، والذي يقول إن المستقبل للغة الإنجليزية.
المجلس خرج بدوره بمعطيات صادمة حول نزيف الهدر المدرسي، الذي يجعل حوالي نصف مليون تلميذ وتلميذة يودّعون فصولهم كل سنة، 29 في المئة منهم في المستوى الابتدائي، وهو الرقم الذي لا علاقة له بـ331 ألف تلميذ وتلميذة الذين أعلن عنهم الوزير القادم من عالم المصاصة.
لا بأس أن نُذكّر برادة بأن ذات المجلس وجه دعوة صريحة للدولة من أجل جعل إصلاح المدرسة أولوية وطنية بعد قضية الوحدة الترابية، وجعلها فرصة للارتقاء الاجتماعي لجميع المغاربة دون تمييز. وقال إن أي توجه غير ذلك سيزيد في إنتاج المزيد من الفوارق ومظاهر الإقصاء، قبل أن نُكرّس تمييزًا ينطوي على جريمة تجعل تلميذًا واحدًا من المدرسة الرائدة يعادل 80 تلميذًا من المدرسة العادية.
اليوم، بدل أن نُصلح التعليم ونستثمر بجدية في “البشر”، زدنا في تعميق أزمته، لينتج في النهاية مدرسة أُريد لها أن تبقى معطوبة وبدون ملامح، رغم آلاف المليارات التي بُدّدت في صفقات فاسدة لا يزال المغاربة ينتظرون كشف المتورطين فيها.







