ظهور باهت، وعجز عن الإقناع، وضعف في الدفاع عن قرارات الأغلبية والحكومة التي يقودها حزبه. ولو قُدّر لهذا النموذج أن يقود الحكومة، بحكم الأمر الواقع، خلال المحطة المقبلة، فإن “التْطليعة”، كما يسميها “عفاريت جيل زيد”، تبدو مضمونة على غرار تجربة سعد الدين العثماني وأيامها التي شاع فيها تدبير الأزمات بمنطق “تشعل الضو يتكب لما”.
ذلك هو الانطباع الذي خرج به كثير ممن تابعوا السقوط المدوي لرئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، في برنامج “ساعة صراحة” على القناة الثانية؛ حيث بدا الرجل، الذي صعد فجأة إلى هرم الحزب الحاكم خلفا لعزيز أخنوش في مؤتمر استثنائي، وكأنه فقد بوصلته داخل الحوار، يتلقى اللكمات من كل جانب، من دون أن يملك سوى التلعثم واللجوء إلى إنشائيات جافة لم تعد تقنع طفلاً صغيرا، فما بالك بشعب يكتوي يومياً بنار الغلاء وأزمات المعيشة.
إن التفكيك الرصين لهذا المرور التلفزيوني الباهت يتجاوز حدود النقد الموجه إلى ارتباك تواصلي عابر، ليضعنا أمام تشخيص لظاهرة نفسية وسياسية تبدو مهيمنة على جزء من نخب المرحلة، وهي ما يُعرف في علم النفس المعرفي بتأثير “دونينغ-كروجر”. وتتجلى هذه الظاهرة حين يقع الفرد ضحية “وهم المعرفة” والتقييم المفرط للذات، إذ يميل الأشخاص الأقل كفاءة في مجال معين إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، لمجرد نجاحهم في مجال آخر.
لقد دخل شوكي إلى الاستوديو، وفق ما عكسه أداؤه، مسكوناً بهذا الوهم المعرفي؛ ظانا أن رئاسة حزب يقود الحكومة ومخاطبة ملايين المغاربة القلقين على مصيرهم الاقتصادي لا تتطلبان أكثر من “بروفايل” أنيق وتجربة تكنوقراطية بين أبوظبي والدار البيضاء كرئيس سابق لأسواق رأس المال بشركة National Holding.
غير أن غياب الحد الأدنى من التمكن من آليات العمل السياسي الحقيقي جعل هذا “الاستعلاء الإدراكي” إن صح الوصف، ينهار عند أول سؤال جدي، ليتحول التقييم الذاتي المفرط إلى عجز تواصلي أثار أكثر من علامة استفهام.
بدا ذلك أكثر جلاءً في جوابه عن غلاء الأضاحي، بالقول: “إن كل المواطنين الذين كانوا مستعدين ماديا لاقتناء خروف العيد تمكنوا من ذلك”.
يا سبحان الله! يا له من اكتشاف عظيم! هذه أول مرة نعلم فيها أن من يملكون القدرة المادية، والميسورين، بإمكانهم اقتناء ما يرغبون فيه. وإمعانًا في هذا الجواب المضحك، يتوجه إلى منشط البرنامج، جامع كلحسن، قائلاً: “إذا كنت تعرف أشخاصًا كانوا مستعدين ماديا للاقتناء ولم يقتنوا، أخبرني بهم”.
هكذا، وحين تغيب نصوص “التيليبرومبتور” الجاهزة، وتتوارى توجيهات مستشاري التواصل، يتكفل الواقع بتعرية الخلل البنيوي. فلم يستطع رئيس الحزب الحاكم صياغة فكرة سياسية متماسكة أو تقديم مرافعة مقنعة تفسر للمغاربة أزمة “غلاء الأضاحي” التي مست شريحة واسعة من البسطاء ومحدودي الدخل.
وبدلاً من مقارعة الحجة بالحجة، بدا “زعيم الحمامة” أسير قصور مزدوج؛ فهو لا يفتقر فقط إلى الكفاءة السياسية والتواصلية اللازمة لقيادة تنظيم يُفترض أنه يقود الحكومة، بل يفتقر على ما يبدو إلى القدرة على إدراك هذا النقص، ما جعله يلوذ بعبارات انفعالية من قبيل “أنت تتزرب عليا” و”ما تخلينيش نكمل”.
غير أن الخطورة الحقيقية الكامنة في هذا “الشو” الإعلامي الفاشل لا تكمن في شخص محمد شوكي وحده، بل في كون هذه الحالة أصبحت، في نظر كثيرين، سمة متكررة في طريقة صناعة النخب في مغرب اليوم. بدءاً من أخنوش نفسه، مروراً بالوزير صاحب “نظرية النمذجة”، وصولاً إلى “بركة”، الذي استيقظ فجأة بعد سنوات من الصمت وأراد أن “يطلق علينا الغولة”، مبتكراً نظرية “الخفافيش والمؤامرات التي تُحاك ضد الوطن لأن المنتخب الوطني بلغ المرتبة الثامنة في تصنيف الفيفا”.
فنحن أمام قيادات وُلدت في الغرف المكيفة، بعد أن ازدادت وفي فمها ملعقة من ذهب، من دون أن تختبر احتكاك الشارع، أو صخب المعارك السياسية، أو مشقة الإقناع المباشر؛ ومع ذلك تجلس في مقاعد السلطة وهي مقتنعة بأنها تمتلك الحقيقة والكفاءة معاً.
أما السخرية العارمة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، فقد بدت أقرب إلى محاكمة شعبية ترفض تسطيح الذكاء الجماعي وتكشف هشاشة بعض الواجهات المصنوعة بعناية.
وحين يصبح قائد الحزب الحاكم عاجزا عن إدارة حوار تلفزيوني بسيط من دون الوقوع في فخ الارتباك والسطحية، التي لم يستطع زميله أوجار إخفاء “قهقهاته” منها، فإن البكاء على حال المؤسسات يصبح أولى من الضحك، لأن الكلفة الحقيقية لهذا “الخواء” لا يدفعها السياسي وحده، بل يدفعها الوطن من رصيد الثقة في السياسة وفي إمكانية صناعة غدٍ أفضل.







