أعلنت وزارة التربية الوطنية عن اعتماد ما قيل إنه جهاز متطور لرصد وسائل الغش الإلكتروني خلال امتحانات البكالوريا، في خطوة قدمتها الحكومة باعتبارها دليلاً على تشبثها بقيم النزاهة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
ولا أحد يعترض على محاربة الغش داخل المؤسسات التعليمية، لأن الغش اعتداء على حق التلاميذ المجتهدين وتزوير لقيمة الشهادة. لكن ما يثير الانتباه هو أن الحماس الحكومي لمحاربة الغش يبدو أكبر بكثير عندما يتعلق الأمر بتلميذ داخل قاعة امتحان، مقارنة بالحماس نفسه تجاه الخروقات السياسية والاختلالات التي يثيرها تدبير الشأن العام.
فإذا كان الجهاز الجديد قادراً على اكتشاف سماعة إلكترونية مخبأة بعناية داخل أذن مترشح، فإن المغاربة يحتاجون إلى جهاز أكثر تطوراً لاكتشاف أشكال أخرى من الغش أصبحت جزءاً من المشهد السياسي. غش الوعود الانتخابية، وغش الأرقام، وغش الخطاب السياسي، وغش تقديم الحصيلة الحكومية بطريقة تجعل الواقع أقل حضوراً من الدعاية.
لقد اعتاد المغاربة قبل كل استحقاق انتخابي على سماع وعود كبرى حول التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية. لكن ما إن تنتهي الانتخابات حتى تبدأ عملية إعادة تفسير تلك الوعود أو تبرير تعثرها أو البحث عن شماعات جديدة لتعليق الفشل عليها. وإذا كان التلميذ الذي يغش في الامتحان يسعى للحصول على نقطة لا يستحقها، فإن بعض الفاعلين السياسيين يسعون أحياناً للحصول على ثقة الناخبين عبر تعهدات يعلم الجميع صعوبة تنزيلها أو استحالة تحقيقها ضمن الآجال المعلنة.
الأمر لا يتعلق فقط بالوعود. فالنقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة عرف جدلاً متكرراً حول ملفات تضارب المصالح، واستفادة بعض المحظوظين من مواقع النفوذ، واستغلال السلطة لتحقيق مصالح خاصة، وتداخل السياسة بالمال والأعمال. وهي قضايا أخطر بكثير من أي محاولة غش داخل قاعة امتحان، لأنها تمس الثقة في المؤسسات وتؤثر على قواعد المنافسة والعدالة داخل المجتمع.
المفارقة أن الحكومة تتحدث باستمرار عن النزاهة والشفافية والاستحقاق، لكنها لم تُظهر الحزم نفسه في إقناع الرأي العام بأن هذه المبادئ تطبق بالقدر ذاته على أصحاب القرار. فالتلميذ يخضع للتفتيش والمراقبة والعقوبات الفورية، بينما تظل ملفات سياسية كثيرة حبيسة الجدل الإعلامي والتجاذب الحزبي دون أن تجد طريقها سريعاً إلى المساءلة الواضحة والحاسمة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. لأن المجتمعات لا تفقد الثقة بسبب وجود الأخطاء فقط، بل بسبب الشعور بأن هناك ميزانين مختلفين للمحاسبة: ميزان صارم للضعفاء، وميزان أكثر مرونة لأصحاب النفوذ والسلطة.
إن المغاربة لا يحتاجون فقط إلى أجهزة تلتقط الإشارات الإلكترونية الصادرة عن سماعة صغيرة داخل مركز امتحان، بل يحتاجون أيضاً إلى آليات فعالة تلتقط إشارات تضارب المصالح، وترصد التناقض بين الوعود والإنجازات، وتكشف أين تذهب التعهدات الانتخابية بعد الوصول إلى المناصب.
فالنزاهة ليست امتحاناً يجتازه التلاميذ مرة واحدة في السنة، بل امتحان يومي يفترض أن يجتازه المسؤولون قبل غيرهم. وعندما يصبح التدقيق في حصيلة الحكومة بنفس الصرامة التي يُدقق بها في أوراق البكالوريا، وعندما تصبح مساءلة المسؤول العمومي أكثر سرعة من مساءلة تلميذ يحمل هاتفاً، وعندما تتحول الشفافية من شعار سياسي إلى ممارسة فعلية، عندها فقط سيشعر المواطن أن الحرب على الغش ليست مجرد حملة موسمية.
أما إلى ذلك الحين، فسيظل السؤال مطروحاً بإلحاح: إذا كانت الحكومة قد نجحت في اقتناء جهاز متطور لكشف الغش في الامتحانات، فلماذا لم تنجح بعد في بناء منظومة متطورة لكشف الغش السياسي قبل أن يدفع المواطن ثمنه من جيبه ومستقبله وثقته؟







