في الوقت الذي كانت تعول فيه جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء على تسليم مقر رئاستها الجديد كأيقونة معمارية وأكاديمية تعزز إشعاع المؤسسة، تحول الورش الطموح الذي انطلقت أشغاله منذ فبراير 2021 إلى “لغز إداري” ومالي، حيث يواجه المشروع اليوم شللاً تاماً يعيد تبخر الآمال في استغلاله قريباً، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية الحالية لرئاسة الجامعة في يونيو 2026.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن توقف الأشغال المفاجئ، الذي أعقب تقلبات الطقس في شتنبر 2025، لم يكن سوى “القطرة التي أفاضت الكأس”. فالمشروع الذي كان يفترض أن يشكل نقلة نوعية (وفق دفاتر التحملات المبرمة)، اصطدم بواقع تقني مرير؛ حيث أثار نزاع حول سلامة الخرسانة المسلحة، التي تعرضت لعوامل التعرية والطقس لسنوات طويلة دون حماية كافية، مخاوف هندسية جدية بشأن استدامة البناء.
هذه الأزمة التقنية تزامنت مع ضغوط مالية خانقة، إذ تطالب المقاولة النائلة للمشروع بمراجعة شاملة للأسعار (Revision des prix)، مبررة ذلك بالتضخم الصاروخي في تكاليف مواد البناء.
وفي المقابل، تقف المصالح المالية للجامعة في موقف المتردد، محكومة بضوابط قانونية ومسطرية صارمة لا تسمح بالاستجابة لهذه المطالب دون مسوغات قانونية دقيقة، مما أدخل الورش في “نفق مسدود” عطّل خطة الإنقاذ الدولية التي أُطلقت عام 2024.
ولا يمكن فصل هذا التعثر عن المناخ العام للتدبير داخل المؤسسة، حيث جاء تقرير المجلس الأعلى للحسابات (2024-2025) ليضع “الرئاسة” تحت مجهر المساءلة. فقد كشفت خلاصات التقرير عن اختلالات هيكلية تتجاوز أسوار ورش البناء، أبرزها ظاهرة “المباني الشبح”؛ أي وجود مرافق جامعية مكتملة البناء ومجهزة، لكنها مغلقة ومهمشة، مما يعكس غياب رؤية استغلالية واضحة.
كما رصد التقرير عطباً في الحكامة الرقمية، يتجلى في تعطل مستمر للأنظمة البرمجية والمحاسباتية التي كان من المفترض أن تضمن الشفافية والرقابة، فضلاً عن وجود عشوائية واضحة في تتبع الصفقات العمومية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى مطابقة تنفيذ المشاريع لدفاتر التحملات، في ظل استمرار تعثر إتمام بناء مقر الرئاسة الجديد.
ويجد رئيس الجامعة، الذي يقترب من إنهاء ولايته الممتدة (30 يونيو 2022 – يونيو 2026)، نفسه أمام استحقاق حاسم؛ فاستمرار الوضع الحالي يعني تحويل استثمار أكاديمي ضخم إلى “هيكل إسمنتي” موصوم بالعجز. ويرى مراقبون أن المخرج من هذا المأزق يتطلب “ثورة مسطرية” عاجلة لإعادة تفعيل الورش وفق القانون.
ليبقى مصير المقر الجديد لرئاسة جامعة الدار البيضاء معلقاً بمدى قدرة الإدارة الحالية على الحسم قبل فوات الأوان، أو ترك التركة ثقيلة لخلفها، في انتظار قرار جريء ينقذ ما يمكن إنقاذه من هذا “الحلم الإسمنتي” الذي طال انتظاره.
جامعة الحسن الثاني.. “شبح” المقر الجديد يغرق في وحل التعثر التقني والمالي







