كشفت المعطيات الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية بفرنسا عن تحول ديمغرافي لافت يشهده المغرب، بعد تسجيل أدنى معدل خصوبة في تاريخه وتراجعه إلى ما دون عتبة الإحلال الديمغرافي المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة. ويعكس هذا التطور تسارع وتيرة التحول الديمغرافي بالمملكة، في سياق يثير نقاشاً متزايداً حول تداعيات الشيخوخة السكانية على المدى المتوسط والبعيد، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالنمو الاقتصادي وسوق الشغل ومستويات الدخل.
كما يعيد هذا المنحى التنازلي في معدلات الولادات إلى الواجهة أسئلة تتعلق بمدى قدرة السياسات التنموية والاجتماعية الحالية على توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة لتشجيع الاستقرار الأسري والرفع من معدلات الإنجاب.
وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي “سمير أيت مومن” أن الانخفاض المتواصل في معدلات الإنجاب يرتبط، إلى حد كبير، بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الأسر المغربية.
ويوضح “ايت مومن” في اتثال هاتفي مع نيشان “أن اختزال هذا التراجع في عوامل مرتبطة بارتفاع الوعي بتنظيم الأسرة لا يعكس الصورة الكاملة، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية يدفعان العديد من الأسر إلى تقليص عدد الأطفال كخيار للتكيف مع الضغوط الاقتصادية، في ظل استمرار معدلات البطالة وهشاشة الشغل، خصوصاً في صفوف الشباب والخريجين والنساء.
ويضيف المتحدث ذاته أن استمرار هذا التوجه قد ينعكس خلال العقود المقبلة على حجم الفئة النشيطة التي تشكل ركيزة أساسية لإنتاج الثروة وتمويل المالية العمومية، بما قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الوطني”.
وتبرز من بين التداعيات المحتملة لهذا التحول الديمغرافي الضغوط المتزايدة التي قد تواجهها منظومة التقاعد.
وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر مطلع، من داخل الصندوق المغربي للتقاعد أن النظام القائم يعتمد أساساً على مبدأ التضامن بين الأجيال، حيث تساهم اشتراكات النشطين في تمويل معاشات المتقاعدين.
وبحسب المصدر ذاته، فإن استمرار تراجع معدلات الخصوبة من شأنه أن يؤثر مستقبلاً على التوازنات المالية للصناديق، نتيجة انخفاض عدد المساهمين مقارنة بعدد المستفيدين، وهو ما قد يحد من فعالية الإصلاحات المقياسية المعتمدة ويفرض البحث عن حلول تمويلية أكثر استدامة على المدى الطويل.
من جهتها، تشير الباحثة في علم الاجتماع الديمغرافي “سناء أوشن” إلى أن مقارنة التحول الديمغرافي المغربي بما شهدته الدول المتقدمة تكشف اختلافاً في السياقات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة له. فعديد من الدول الأوروبية سجلت تراجعاً في معدلات الخصوبة بعد بلوغ مستويات مرتفعة من الدخل الفردي وتطوير منظومات متقدمة للحماية الاجتماعية والرعاية الصحية.
أما في الحالة المغربية، فتأتي هذه التحولات في ظل استمرار تحديات مرتبطة بجودة بعض الخدمات العمومية الأساسية، وهو ما يدفع شريحة واسعة من الأسر إلى تحمل أعباء إضافية في مجالي التعليم والصحة، الأمر الذي ينعكس على القرارات المرتبطة بالإنجاب وحجم الأسرة.
ويضع هذا التحول الديمغرافي المتسارع السياسات الاجتماعية والاقتصادية أمام اختبارات جديدة تتعلق بقدرتها على مواكبة التحولات السكانية الجارية. فالمؤشرات المتاحة توحي بأن العوامل الاقتصادية المرتبطة بفرص الشغل ومستويات الدخل وكلفة المعيشة أصبحت تؤدي دوراً متزايد الأهمية في تحديد السلوك الإنجابي للأسر المغربية.
وفي ظل هذه المعطيات، ترى المصادر أن مواجهة التحديات الديمغرافية المستقبلية تقتضي مقاربة شمولية لا تقتصر على تحقيق التوازنات الماكرو-اقتصادية، بل تشمل أيضاً تعزيز التشغيل وتحسين توزيع ثمار النمو وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بما يضمن استدامة المسار التنموي خلال العقود المقبلة.







