حين أطلقت الدولة ورش الحماية الاجتماعية، رافقته آلة دعائية ضخمة تبشر بميلاد “الدولة الاجتماعية” التي ستطوي عقودا من التفاوت الطبقي في الولوج إلى الصحة. لكن الأرقام، التي غالباً ما تكون أكثر عناداً من الخطابات السياسية، تكشف اليوم عن انحراف خطير في مسار هذا المشروع الطموح.
فأن تستحوذ المصحات الخاصة على ما يقارب 90 في المائة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، كما كشف تقرير مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي الأخير، لا يعني بتاتاً أن الأمر يتعلق بدمقرطة العلاج وتعميمه، بل يُفهم منه وجود عملية تحويل مالي مقننة من جيوب دافعي الضرائب والمنخرطين نحو أرصدة فاعلين في القطاع الطبي الخاص ذي نفوذ اقتصادي ومالي.
هذا الخلل البنيوي يطرح سؤالاً جوهرياً بات يتردد على نطاق واسع، وهو “هل يصنع المغرب فعلاً دولة للرعاية والإنصاف، أم أن الأمر يتعلق بآلية جديدة ومستدامة لتمويل ما يُوصف بـ”الريع الطبي” بضمانات مالية عمومية؟”
هذا التحول في تدفقات التمويل لم يكن ليحدث أو يستمر لولا الإكراهات التي يواجهها المستشفى العمومي منذ سنوات. فبينما تُصرف اعتمادات مهمة عبر صناديق التأمين لتغطية فواتير المصحات الخاصة، تواجه المستشفيات العمومية خصاصاً مهماً في الموارد البشرية وتراجعاً في التجهيزات الحيوية.
وفي هذا السياق، ترى مصادر مطلعة تحدثت لـ”نيشان” أن هندسة التغطية الصحية الحالية وُضعت في ظل اختلال في موازين العرض الصحي، مبرزة أن ضعف العرض العمومي جعل المريض يتجه في كثير من الحالات نحو القطاع الخاص.
وتضيف المصادر ذاتها أن بعض الممارسات المرتبطة بالفوترة أو ما يُعرف بـ”النوار” ما تزال تثير إشكالات في القطاع، مما يجعل بطاقة التغطية الصحية تتحول عملياً إلى وسيلة لتغطية جزء من الكلفة، في حين يتحمل المواطن الجزء الأكبر منها.
ولم تعد المسألة تقتصر اليوم على أطباء راكموا ثروات من عياداتهم، بل هناك تحول اقتصادي أوسع يتمثل في تزايد حضور الرأسمال المالي في قطاع الصحة.
وتتحدث مصادر مالية في الدار البيضاء عن تقارير تشير إلى سباق تقوده صناديق استثمارية كبرى، بعضها أجنبي والآخر مرتبط بفاعلين اقتصاديين نافذين، من أجل تأسيس وتوسيع شبكات من المصحات الخاصة.
في السياق ذاته، يرى الخبير الاقتصادي المتخصص في السياسات العامة محمود أكزول، في تصريح لـ”نيشان“، أن المستثمرين لا يدخلون هذا القطاع بدافع اجتماعي، بل لأن الإطار القانوني للحماية الاجتماعية خلق سوقا واسعة ذات طلب مضمون عبر أنظمة التأمين.
ويضيف المتحدث ذاته أن هذا التحول يجعل الصحة تدريجيا تنتقل من “حق دستوري” إلى “خدمة ذات طابع استثماري”، وهو ما يطرح إشكالات مرتبطة بتوازن المنظومة الصحية.
وتحذر تقديرات من أن الاستمرار في هذا النهج القائم على “تسليع” الخدمات الصحية قد يهدد التوازن المالي للصناديق الاجتماعية، التي تضخ اليوم مبالغ مهمة في تمويل القطاع الخاص، في حال لم يتم تعزيز قدرات القطاع العمومي بشكل موازٍ.
وفي حال استمرار هذا المسار، لن يُستبعد، وفق تحليلات متقاطعة، أن تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة مرتبطة بتمويل المنظومة، سواء عبر رفع نسب الاشتراك أو مراجعة سلة التغطية الصحية.
وبين بريق الخطاب ومرارة الواقع، يبدو أن التحدي الأساسي يظل مرتبطا بقدرة النظام على تحقيق توازن فعلي بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن استدامة التمويل وعدالة الولوج إلى العلاج.







