حينما يعلن بنك المغرب عن تجاوز ودائع الأسر المغربية عتبة ألف مليار درهم متم أبريل الماضي، فإن القراءة السطحية للأرقام قد توحي بنوع من الرخاء المالي أو بقدرة استثنائية للمواطنين على الادخار، لكن التفكيك العميق لهذه البنية المالية يكشف عن وجه آخر مغاير تماماً؛ وجه يختزل أزمة ثقة صامتة وبنيوية ترهق الاقتصاد الوطني وتكبل قاطرة التنمية.
خبراء ومحللون في السياسات النقدية تحدثوا لـ”نيشان”، اعتبروا أن هذه الودائع الضخمة، التي نمت بنسبة تناهز ثمانية فاصل أربعة في المائة لتستقر في حدود ألف وتسعة مليارات درهم، لا تعكس رفاهية مجتمعية بقدر ما تجسد ظاهرة الهروب نحو الملاذات الآمنة، حيث يتحول النظام البنكي إلى مقبرة اختيارية لرؤوس أموال ضخمة كان من المفترض أن تضخ الدماء في شرايين الاستثمار والتشغيل والمشاريع الإنتاجية في مغرب يعيش مفترق طرق اقتصادي.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أن هذا التكديس غير المسبوق للأموال يعكس بوضوح مناخاً عاماً من الترقب والحذر الشديد، أو ما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد الخائف”. فالأسر المغربية، وتحت وطأة تقلبات الأسعار المستمرة وعدم اليقين الاقتصادي الذي طبع السنوات الأخيرة، باتت تفضل تجميد قدراتها المالية وتأجيل الاستهلاك أو الاستثمار العائلي لصالح تأمين الغد.
ولا يقتصر هذا الخوف الهيكلي على الأفراد وحدهم، بل يمتد بشكل أكثر إثارة للقلق إلى النسيج المقاولاتي؛ إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن ودائع المقاولات غير المالية الخاصة شهدت قفزة سنوية قوية بلغت ثلاثة عشر فاصل اثنين في المائة لتصل إلى قرابة مئتين وثمانية وأربعين مليار درهم.
هذا الارتفاع المتسارع لودائع الشركات، حسب قراءات اقتصادية، يعد مؤشراً سلبياً بامتياز، لأنه يعني باختصار أن الرأسمال الخاص يتفادى المجازفة ويرفض توسيع أنشطته أو خلق فرص عمل جديدة، مفضلاً ركوداً آمناً داخل الخزائن البنكية على مناخ أعمال يراه محفوفاً بالمخاطر أو غارقاً في ضبابية القوانين والمنافسة غير المتكافئة، مما يعطل مفعول الآليات الحكومية التي تحاول جاهدة إنعاش الاستثمار الخاص.
هذا التوجس الجماعي يجد طرفاً واحداً يجني ثمار الأزمة بأريحية وبأقل تكلفة ممكنة، وهو المنظومة البنكية التجارية. وتتجلى المفارقة الصارخة هنا في مستويات الفائدة المطبقة؛ فبينما حدد بنك المغرب الحد الأدنى للفائدة على حسابات الادخار عند نسبة لا تتعدى واحداً فاصل واحد وستين في المائة للنصف الأول من العام الجاري، متراجعاً بثلاثين نقطة أساس، تظل هذه النسبة بعيدة كل البعد عن تغطية معدلات التضخم وموجات الغلاء التي طالت شتى مناحي الحياة اليومية.
وبحسب المصادر، فإن المواطن المغربي الذي يضع تحويشة العمر في هذه الحسابات يساهم عملياً، دون وعي منه، في تمويل أرباح المصارف التجارية على حسابه الشخصي؛ إذ تفقد هذه المدخرات قيمتها الشرائية تدريجياً بسبب التضخم، في حين تعيد البنوك تدوير هذه السيولة الهائلة المتاحة برخص شديد، لتقرضها مجدداً للدولة عبر سندات الخزينة أو للمواطنين والمقاولات عبر قروض استهلاكية واستثمارية بنسب فائدة مرتفعة ومربحة للغاية. وهو ما تعتبره المصادر معادلة ريعية بامتياز، تلتهم فيها الأبناك الأرباح الصافية دون بذل أي مجهود ابتكاري في تمويل الاقتصاد الحقيقي، مستفيدة من قلق الأسر وسلبية المقاولات.
ولا يشذ ملف مغاربة العالم عن هذه البنية الاستلابية للثروة؛ فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي ضخت أزيد من مئتين وثلاثين مليار درهم في حسابات الادخار البنكية متم أبريل الماضي، تواصل لعب دور المنقذ الصامت للتوازنات المالية الخارجية للمملكة وتوفير الاحتياطات الأساسية من العملة الصعبة. ومع ذلك، فإن بقاء هذه المليارات راكدة في الحسابات البنكية يمثل، وفق تقارير ودراسات سوسيواقتصادية موازية، فشلاً ذريعاً للسياسات العمومية التي عجزت على مدار عقود عن ابتكار آليات جاذبة وموثوقة لتحويل هذه الارتباطات المالية بالوطن إلى مشاريع استثمارية ملموسة في الجهات والأقاليم.
وتعتبر المصادر أن بقاء هذه الأموال في صيغة ودائع جامدة يعري واقع البيئة البيروقراطية وضعف الحوافز الحقيقية التي تصطدم بها طموحات المستثمرين من مغاربة الخارج، والذين يفضلون في نهاية المطاف ترك أموالهم نائمة في البنوك على الدخول في متاهات المساطر الإدارية المعقدة.
في المحصلة، فإن أرقام بنك المغرب لربيع عام ألفين وستة وعشرين لا يجب أن تُقرأ بكثير من التفاؤل التقني أو الإشادة بحجم السيولة البنكية، بل كصيحة إنذار حول واقع اقتصادي يعاني من الشلل النمائي.
وترى المصادر، أن الألف مليار درهم هي في عمقها ثروة وطنية نائمة تحت وسائد البنوك، تؤكد أن رأس المال في المغرب يعاني من فوبيا المستقبل، وأن النموذج الاقتصادي الحالي ما زال عاجزاً عن توليد الثقة وضمان التنافسية الشريفة وضخ الرساميل في عروق الإنتاج، بينما تظل النخبة المالية والمصرفية هي الرابح الأكبر في بيئة تفضل فيها الأموال التثاؤب خلف القضبان الحديدية للمصارف بدل النزول إلى الميدان لخلق القيمة المضافة ومحاربة البطالة المستشرية.







