في الوقت الذي استبق فيه المجمع الشريف للفوسفاط تشديد المعايير الصحية والبيئية المرتقبة في فرنسا، عبر تطوير تقنيات متقدمة لإزالة “معدن الكادميوم المسرطن” من أسمدته الموجهة إلى السوق الأوروبية وخفض مستوياته إلى أقل من 20 ميليغراماً لكل كيلوغرام منذ فبراير 2025، برزت بالمقابل تساؤلات في الأوساط الفلاحية والحقوقية بشأن مدى استفادة السوق المغربية من المعايير ذاتها، وما إذا كانت الأسمدة الموجهة للاستعمال المحلي تخضع للمستويات نفسها من المراقبة والقيود الصحية.
وتأتي هذه التساؤلات تزامناً مع مناقشة الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قانون يرمي إلى خفض الحد القانوني المسموح به من الكادميوم في الأسمدة من 90 ميليغراما لكل كيلوغرام إلى 20 ميليغراما بحلول سنة 2030، وسط جدل سياسي وصحي متصاعد حول مخاطر هذا المعدن الثقيل على صحة المستهلكين.
كما تبرز التجربة المغربية في صلب هذا النقاش، باعتبار المملكة تمتلك نحو 70 في المائة من الاحتياطات العالمية المستغلة من الفوسفاط، فيما يؤمن المجمع الشريف للفوسفاط حوالي 40 في المائة من واردات فرنسا من الأسمدة الفوسفاطية.
ووفق معطيات نقلتها صحيفة ” Le Progrès” الفرنسية، فقد تمكنت المجموعة من تقليص مستويات الكادميوم في منتجاتها بشكل متدرج، من 73 ميليغراماً لكل كيلوغرام سنة 2024 إلى 36 ميليغراماً سنة 2025، قبل الانتقال إلى تزويد السوق الأوروبية بأسمدة تقل نسبة الكادميوم فيها عن 20 ميليغراماً لكل كيلوغرام، استجابة للمتطلبات التنظيمية المتزايدة داخل الاتحاد الأوروبي.
ويرى مهتمون بقضايا حماية المستهلك أن هذا التحول الصناعي، رغم أهميته، يطرح تساؤلات مشروعة حول المعايير المطبقة على المنتجات الموجهة للسوق الوطنية، في ظل غياب معطيات رسمية منشورة بشأن مستويات الكادميوم في الأسمدة المستعملة محلياً أو مدى انعكاسها على السلسلة الغذائية والمنتجات الزراعية الموجهة للاستهلاك اليومي.
ولا تتوقف المخاوف عند حدود جودة الأسمدة وسلامة الغذاء، بل تمتد إلى الجوانب البيئية المرتبطة بعمليات إزالة الكادميوم نفسها. فبحسب فاعلين وخبراء بيئيين، فإن المعدن المستخلص يتحول إلى مخلفات كيميائية تتطلب تدبيرا خاصًا وآليات صارمة للتخزين والمعالجة، ما يثير مطالب بمزيد من الشفافية بشأن مصير هذه النفايات ومدى تأثيرها المحتمل على الموارد المائية والأنظمة البيئية المحيطة بمواقع الإنتاج الصناعي.
وجدير بالذكر أن فاعلين حقوقيين وبيئيين في عدد من المدن الفوسفاطية، من بينها آسفي وخريبكة، سبق أن دقوا ناقوس الخطر في أكثر من مناسبة بشأن التداعيات البيئية والصحية المحتملة للأنشطة الصناعية المرتبطة بتحويل الفوسفاط، داعين إلى تمكين الرأي العام من المعطيات المتعلقة بتدبير النفايات الصناعية والملوثات الخطرة، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع البيئي بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الصناعية وحماية الصحة العامة والموارد البيئية.







