أصبح التقرير السنوي حول الصحافة في العالم الذي تصدره جامعة أوكسفورد ومؤسسة رويترز، العريقتان في مجال البحث العلمي والصحفي، من بين المواعيد المهنية الكبيرة التي تحظى بمتابعة عالمية ووطنية أحيانا تعكسها تعاليق بعض الصحافيين على فايسبوك. يتميز هذا التقرير الذي يحمل اسم “تقرير الصحافة الرقمية” Digital Report بدرجة عالية من الدقة والشمولية على مستوى التوصيف العام لأحوال الصحافة (حتى الصحافة الورقية لها مكانة في التقرير)، وتشخيص نسب القراءة والمتابعة وكذا التحولات العميقة التي تعيشها هذه المهنة، مهنة “مؤرخ الزمن الحاضر”، كما تقول إحدى تعريفاتها الشهيرة.
تقرير هذه السنة يتناول الوضع في المغرب (ضمن 48 دولة، مع استطلاع رأي 100 ألف شخص عبر العالم) وذلك في سياق وطني يتميز بتراجع الدراسات المنتظمة والجادة، وبغياب قانونٍ يُنظم مجال الاستطلاعات. ففي ظل التحولات التقنية والقيمية الكبرى التي تعيشها الصحافة، نحن لا نملك إذن إلا أن نتابع تطور وضعية الصحافة الوطنية من خلال ما يأتينا من مثل هذه التقارير الدولية التي تشتغل بشكل منتظم ومنهجي. وهو ما يسمح بمعرفة إلى أي حد يتم تفعيل مقتضيات الدستور والقوانين التي تعطي مكانة خاصة لحرية الصحافة في المغرب، وإلى أي حد يتحقق دور الصحافة كعامل يساهم في التنمية والمشاركة السياسية.
أريد أن أتوقف في البداية عند ما يرصده التقرير من تحولات، أو بالأحرى من ثورة شاملة تشهدها بنيات الصحافة أصبحت تسائل وجودها كمهنة قامت وما زالت تقوم بمواكبة حاجيات ومتطلبات ووجود “المواطن المتنور” في الفضاء العمومي. يقول تقرير رويترز في المقدمة إن ما نلاحظه اليوم في عصر صحافة الهواتف الذكية، هو هذا التنافس القوي بين وسائل الاعلا
م عبر العالم حول ” 4 أو 5 ساعات صار يقضيها الناس أمام هواتفهم الذكية” لمتابعة أخبار العالم، في حين أن نسبة أخرى من الناس تعيش حالة من “الإرهاق”، وعدم رغبتهم في متابعة هاته الأخبار أصلا. حيث يشخص التقرير وجود حالات من “القلق، والعزوف، والتشاؤم” إزاء أحداث العالم نتيجة الأزمات والصراعات المتزايدة في مناطق عديدة مثل حرب غزة وأوكرانيا وفي مناطق أخرى في العالم العربي وافريقيا.
أما في ما يخص الجزء الخاص بالمغرب، والذي أعده الباحث امرؤ القيس طلحة جبريل، فيمكن أن نركز على جانب أساسي هو: مسألة الثقة في الأخبار. ويقول التقرير في هذا الجانب: “ما تزال الثقة في الاخبار منخفضة بشكل عام (28% في حين يصل معدل الثقة العالمي إلى 37%)، كما أن القلق بخصوص ظاهرة الأخبار المضللةmisinformation يبقى مرتفعا (54%) “. حيث يضيف التقرير موضحا ومدققاً: “في المغرب، لم تتغير نسبة الثقة العامة في الأخبار، إذ بلغت 28%. ولا يرى كثير من المغاربة أن وسائل الإعلام مستقلة حقاً، فهي تتجنب المواضيع الحساسة، وتعكس في الغالب وجهات نظر الحكومة. ومع ذلك، تحظى بعض المؤسسات الإخبارية بمستويات ثقة عالية نسبياً، بما في ذلك بعض القنوات الأكثر انتشاراً، مثل القناة الخاصة (ميدي 1) والقنوات التلفزية الحكومية (الأولى) والجريدة الإلكترونية (هيسبرس)”.
في المغرب.. ظاهرة “يوتوب” و “تيك توك”
ما يمكن ملاحظته ايضا هو أن المنظمة الدولية “مراسلون بلا حدود” كانت قد سجلت اتساعا نسبيا لهامش الحريات الصحفية في المغرب خلال 2025، مقارنة مع دول الجوار، إلا أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية ترى، رغم ذلك، “استمرار الصعوبات والتقييد والهشاشة”، وهو ما تعكسه وتؤكده تعثرات واضحة في السياسات العمومية في هذا القطاع مثل “البلوكاج” الذي يعيشه المجلس الوطني للصحافة منذ سنوات، ومشكل تدبير الدعم المالي الحكومي لقطاع الصحافة… وغير ذلك.
تراجع الثقة في الاخبار أصبح في الواقع ظاهرة عالمية، وان اختلفت النسبة بحسب السياقات والدول. في أمريكا مثلا، كشف مركز غالوب الشهير لاستطلاع الراي أن نسبة كبيرة من المواطنين ترى انها ” تتعرض لاجتياح موجات من الأخبار (47 % يعتبرون ان تلك الاخبار غير مهمة بالنسبة لحياتهم)، في حين ان 32 % من الامريكيين فقط لديهم ثقة في الاخبار التي تتلقونها.
هناك تقارير دولية أخرى مهمة ترصد واقع الصحافة في العالم مثل تقرير دوتشي فيلي الألماني وتقرير منظمة مراسلون بلا حدود (الذي يركز على جانب الترتيب العالمي في الحريات)، لكنها لا تدرس حالة المغرب بشكل خاص ودقيق. وإلى جانب تقريرها السنوي، طورت مؤسسة رويترز / أوكسفورد تكنولوجيا عالية الدقة تقوم بمتابعة وتقييم أسبوعي للمنصات الصحافية الرقمية. وفي هذا الصدد، تشير بعض التقارير الأسبوعية في 2026 إلى أن قناة “يوتوب”، على سبيل المثال، قد تم استعمالها خلال أسبوع في المغرب بنسبة 49%، في حين أن معدل استعمال هذه القناة عبر العالم يصل إلى 63 %. أما منصة “تيك توك” فقد بلغت نسبة استعمالها كمصدر للأخبار 24% خلال أسبوع في المغرب. وتبلغ هذه النسبة 17%، في باقي دول العالم.
أسئلة كثيرة تطرحها الأرقام والخلاصات التي توفرها مثل هذه التقارير. ومن بين هذه الأسئلة: هل يتم استعمال واستغلال هذه المعطيات في المغرب بعد أن أصبحت متاحة ومفتوحة للجميع؟ في الواقع، يبدو أنه يتم استغلالها بشكل او اخر، حيث يمكن افتراض أنها حاضرة في إعداد بعض السياسات العمومية مثل السياحة من خلال توظيف مجموعة من المؤثرين المغاربة والاجانب في سياسات الترويج والماركتينغ، وهو ما قد يكون ساهم في ارتفاع أرقام السياح في المغرب. لكن ليست هناك أرقام رسمية تؤكد وتوضح ذلك، وليس هناك نقاشا عموميا يوضح ويدقق مثلا في مدى استعمال منصة “تيك توك” لهذا الغرض، إذا ما لاحظنا الحضور والانتشار المتزايد لهذه المنصة في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
عموما، وبغض النظر عن هذه الأرقام والمعطيات الهامة، فإن ما ينقص تقرير رويترز / أوكسفورد، او ما ينبغي تدقيقه هو طبيعة ونوعية الفآت المجتمعية التي تتابع وسائل الاعلام في المغرب؟ هل هم الشباب ام الكبار؟ هل هي النخبة السياسية؟ أم الطبقة المتوسطة؟ وما هي طبيعة المضامين التي تنشرها هذه الصحف؟ هل هي مضامين مرتبطة بالترفيه وكرة القدم؟ أم هي مضامين السياسة والثقافة…؟ علما بأن الانطباع العام الذي يخرج به الملاحظ والمتابع هو أن هناك هيمنة واضحة للترفيه على باقي المضامين الأخرى التي تبثها وسائل الاعلام في المغرب العمومية والخاصة، وهو ما يسائل مدى جدية تطبيق دفاتر التحملات المنصوص عليها في القانون ومدى قيام البرلمان المغربي بأدوار الرقابة في هذا السياق. كما أن تقرير رويترز / أوكسفورد يحتاج إلى تحليل خاص لفهم للخلفيات الايديلوجية والسياسية لكل هذه المضامين، وللرأسمال المتحكم في الاعلام بشكل عام، لأن المال هو عصب الحرب خاصة في ظرفية انتخابية اليوم يعيش خلالها المغرب تنافسا قويا وعنيفا أحيانا بدأت تظهر ملامحه ومؤشراته خاصة على منصات التواصل الاجتماعي وعلى فايسبوك.
محمد مستعد، صحفي ومترجم.







