في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار تحسين مناخ الأعمال وتبسيط المساطر الإدارية، يبدو أن بعض الشركات المفوض لها تدبير المرافق العمومية تسير في اتجاه معاكس، عبر فرض شروط وإجراءات لا يجدها المرتفق في أي نص قانوني أو تنظيمي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول حدود سلطتها ومدى خضوعها للقانون.
وتبرز هذه الإشكالية بحدة مع شركة “أمانديس”، التي تشترط، في بعض حالات طلبات الربط بالماء والكهرباء الخاصة بالشركات، الإدلاء بوثائق إضافية لا تدخل ضمن الوثائق الإدارية المتعارف عليها، من بينها ترخيص من الهيئة المنظمة للمهنة يفيد بالموافقة على تغيير عنوان الشركة أو الحاجة إلى عداد جديد للكهرباء.
وفي حالة المقاولات الإعلامية، تطالب الشركة بهذه الوثيقة من المجلس الوطني للصحافة، رغم أن هذه المؤسسة تعرف منذ مدة وضعية استثنائية مرتبطة بتوقفها عن أداء مهامها بالشكل المعتاد، وهو ما يجعل الحصول على مثل هذا الترخيص أمراً غير ممكن عملياً.
واللافت أن الجهات الوصية على القطاع لا تبدو على علم بوجود مثل هذه الوثيقة أصلاً، إذ أكدت مندوبية قطاع الاتصال، وفق المعطيات المتوفرة، أنها لا تصدر أي ترخيص من هذا النوع، كما استغربت اشتراطه لإنجاز عملية إدارية تتعلق فقط بربط مقر شركة بالماء والكهرباء.
ويثير هذا الوضع تساؤلات قانونية حول الأساس الذي تعتمد عليه “أمانديس” في فرض هذا الشرط، خاصة أن مساطر إنشاء الشركات أو تغيير مقراتها تحددها قوانين واضحة، ولا تتضمن، بالنسبة للمؤسسات الصحافية أو غيرها، أي إلزام بالحصول على ترخيص من الهيئة المهنية من أجل التزود بالماء أو الكهرباء.
ورغم مواجهة مسؤولي الشركة بهذه المعطيات، فإن جوابهم ظل ثابتاً، ويتمثل في أن الأمر يدخل في إطار “تعليمات صادرة عن وزارة الداخلية”، دون تقديم نسخة من هذه التعليمات أو الإشارة إلى أي دورية أو قرار تنظيمي منشور يفرض هذا الإجراء.
ويطرح هذا التبرير بدوره سؤالاً آخر عما إذا كانت هناك بالفعل تعليمات رسمية، فلماذا لا تعلم بها الإدارة المكلفة بقطاع الاتصال، ولماذا لا توجد ضمن الوثائق الرسمية المطلوبة من المستثمرين أو المقاولات؟
الأكثر غرابة، بحسب معنيين بالأمر، أن “أمانديس”، وبعد الإقرار باستحالة توفير الوثيقة المطلوبة، اقترحت حلاً يتمثل في طلب عداد كهرباء مؤقت.
غير أن هذا “الحل” لم يكن سوى مسار بيروقراطي جديد، يتطلب بدوره سلسلة طويلة من الوثائق والتراخيص والموافقات الصادرة عن إدارات مختلفة، بما يجعل الشركة المعنية تدور في حلقة مفرغة، دون أن تتمكن من الحصول على خدمة أساسية يفترض أن تكون مضمونة لكل مقاولة تستوفي الشروط القانونية.
ويرى متتبعون أن مثل هذه الممارسات لا تعني مجرد تأخير إجراء إداري، بل قد تؤدي إلى شلل فعلي للمقاولة، إذ يستحيل مباشرة النشاط في غياب الماء والكهرباء، وهو ما ينعكس على العاملين بها، وعلى التزاماتها المهنية والتعاقدية.
وتأتي هذه الواقعة في وقت تبذل فيه الدولة جهوداً لتشجيع الاستثمار وتحسين ترتيب المغرب في مؤشرات مناخ الأعمال، من خلال تقليص الوثائق المطلوبة ورقمنة المساطر واعتماد مبدأ الثقة في الإدارة.
غير أن فرض وثائق لا يعرفها القانون، وربط تقديم خدمة عمومية أساسية بالحصول عليها، يبعث برسائل معاكسة، ويخلق انطباعاً بأن بعض المرافق العمومية المفوضة لا تزال تعمل بمنطق الاجتهاد الإداري، لا بمنطق الأمن القانوني.
وأمام هذا الوضع، يبرز مطلب توضيح رسمي من الجهات الوصية، سواء من وزارة الداخلية أو السلطات المختصة، بشأن الأساس القانوني لهذا الإجراء.
فإذا كانت هناك بالفعل تعليمات تلزم الشركات بتقديم مثل هذه الوثائق، فمن حق المرتفقين الاطلاع عليها، أما إذا لم تكن موجودة، فإن استمرار فرضها يثير إشكالاً يتعلق بمشروعية تعطيل مصالح المقاولات خارج أي سند قانوني واضح.
وفي انتظار هذا التوضيح، تبقى شركات، من بينها مؤسسات إعلامية، رهينة مساطر استثنائية لا تجد لها أثراً في القوانين المنظمة للمهنة أو في النصوص المؤطرة لخدمات الماء والكهرباء، في مشهد يختزل مفارقة لافتة: مقاولات تستوفي جميع الشروط القانونية، لكنها تعجز عن تشغيل مقراتها بسبب وثيقة لا تصدرها أي جهة.







