في سياق المصادقة على التعديلات الجوهرية لمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، ولاسيما التعديل المتعلق بإدراج مقتضى جديد يخضع بموجبه حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، يعود السؤال الإشكالي إلى الواجهة، هل تعد هيئات المحامين في المغرب مرافق عامة أو أشخاصا خاصين مكلفين بمهام مرفق عام، مما قد يبرر خضوع حساباتها المالية، وخاصة حساب الودائع، للرقابة العليا للمجلس الأعلى للحسابات؟
هذا التعديل، صادقت عليه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين بالإجماع في يونيو 2026، يمنح المجلس الأعلى للحسابات صلاحيات مراقبة العمليات المالية والمحاسبية المتعلقة بهذه الحسابات أي الإيداع، السحب، التحويل، الأرصدة والفوائد والأداء… ويأتي هذا التطور حسب واضعي النص، بهدف تعزيز الشفافية والحكامة، لكنه يثير إشكالية دستورية وقانونية عميقة تتعلق بطبيعة المهنة وحدود استقلالها.
حول مفهوم المرفق العام وتطبيقه على المهن الحرة المنظمة
يعرف المرفق العام في الفقه الإداري المغربي والفرنسي بأنه كل نشاط يستهدف المصلحة العامة ويمارس تحت السلطة العامة أو بتفويض منها، حتى لو أسند إلى أشخاص من القانون الخاص. وعموما يرى فقهاء القانون الإداري أن المرفق العام يشكل أساس الدولة الحديثة، ويبرر منح بعض الأشخاص الخاصين صلاحيات تنظيمية أو مالية ذات طابع عام.
و تندرج المهن المنظمة مثل المحاماة، الطب، الهندسة وغيرها، ضمن هذا الإطار عندما تكلف هيئاتها المهنية بمهام تنظيم الولوج إلى المهنة، وضمان الأخلاقيات، وممارسة سلطة التأديب، وحماية المتقاضين… غير أن هذا التكليف يظل جزئيا، إذ يفترض فيه أن يتعايش مع الطابع الحر والمستقل للمهنة. وهنا يكمن التوتر! هل يعد حساب ودائع المحامين، الذي يديره مجلس هيئة المحامين، والذي يضم أموال المتقاضين، نشاطا خاصا أم جزءا من مرفق العدالة العام؟ للحواب على هذا الاشكال لابد من الاستعانة بما جاء في الاجتهادات القضائية الوطنية المغربية وبعض الاجتهادات الأجنبية في نفس المادة.
أولا من خلال الاجتهاد القضائي المغربي بمناسبة القرار الصادر عن محكمة النقض سنة 2018: ما هو تعليله وما هي حدوده؟
يعد قرار محكمة النقض المغربية الصادر بتاريخ 16 غشت 2018 (رقم 1331/8) المرجع الرئيسي في هذا الموضوع. في هذا القرار، الذي نشأ على خلفية نزاع اختصاص في قضية اختلاس مبلغ قدر بحوالي مليار سنتيم، من حساب ودائع وأداءات المحامين، رفضت محكمة النقض اعتبار هيئات المحامين “مصالح ذات نفع عام”، مؤكدة أن المهنة حرة ومستقلة بموجب المادة الأولى من قانون المهنة، وأن هذا الطابع يتنافى مع إخضاع الهيئات لنظام المرافق العامة أو الأشخاص المعنوية العامة. كما قررت أن أموال الودائع هي أموال خاصة مملوكة للمحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية، وأن إدارتها تمارس بطابع مهني مستقل وفق المادة 57 من قانون المهنة. ومع ذلك، اعترفت المحكمة بأن المحامي “مساعد للقضاء” يساهم في تدبير مرفق العدالة كقطاع عام، ويستفيد من حماية خاصة بموجب الفصل 263 من القانون الجنائي، لكن هذه المساهمة لا تحول الهيئة إلى مصلحة ذات نفع عام ولا تجعل المحامي موظفا عموميا.
وعموما الخلاصات الكبرى لهذا القرار جاءت لتأكيد ما يلي:
– أن مهنة المحاماة مهنة حرة ومستقلة، تتنافى مع ضوابط الوظيفة العمومية.
– أن هيئات المحامين ليست مصالح ذات نفع عام عند إدارة حساب الودائع.
– أن أموال الودائع أموال خاصة مملوكة للمحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية.
– أن المحامي مساعد للقضاء يساهم في تدبير مرفق العدالة، لكنه ليس موظفا عموميا.
وبذلك فإن هذا الاجتهاد يرسخ الاستقلالية المهنية للمحاماة، ويحد من إمكانية إخضاع الهيئات لرقابة شاملة كالمرافق العامة التقليدية. غير أن التعديل التشريعي الجديد، الذي يريد أن يخضع حساب الودائع صراحة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، استنادا إلى الفصل 147 من الدستور، يبدو وكأنه يتجاوز هذا الحد الذي وضعته محكمة النقض، أو أنه يريد إعادة تأويله في ضوء ما تم الدفع به في مناقشات مجلس المستشارين فيما يتعلق بالسياق العام ومتطلبات الشفافية ومكافحة الفساد.
مناقشة التطور التشريعي الجديد حول إعطاء صلاحية جديدة للمجلس الأعلى للحسابات كمؤشر على الطابع المرفقي العام للمهنة
يمكن القول أن إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، يعد تطورا نوعيا لافتا. فمجلس الحسابات بموجب الفصل 147 من الدستور، هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية. وإسناد هذه رقابة حسابات الودائع إليه، ولو جزئيا، يعني أن المشرع، قد حدد توجها جديدا مخالفا لاجتهاد محكمة النقض، وصار يعتبر هذه الحسابات ذات طابع مالي يتعلق بالمصلحة العامة، خاصة أنها تحمي أموال المتقاضين وتستخدم في أداءات مهنية مرتبطة بمرفق العدالة.
وبذلك فإن الظاهر أن هذا المقتضى يدفع به على أنه تعبير عن انسجام تشريعات المغرب مع الالتزامات الدولية للمملكة، في مجال مكافحة الفساد، خصوصا أنه يأتي بمرافعة سياسية تربطه بوقائع اختلاس سابقة أثارت الرأي العام. ومع ذلك فإنه يطرح إشكالا جوهريا. فإذا كانت أموال حساب الودائع خاصة حسب اجتهاد محكمة النقض المغربية لسنة 2018، فكيف يمكن تبريرالرقابة العليا لمجلس الحسابات؟ الجواب يكمن في التمييز بين ملكية الأموال اذا ما كانت خاصة بشكل صرف، وبين طبيعة تدبير المهنة المرتبط بأداء خدمة ذات مصلحة عامة، وهو تمييز كلاسيكي في القانون الإداري.
الاجتهاد القضائي الفرنسي والمقارن: ضرورة الاعتراف القانوني والقضائي الصريح بوجود مهمة أو خدمة مرفقية عامة
في فرنسا، يعد اجتهاد المحكمة الإدارية بباريس بتاريخ 8 أكتوبر 2020 ملف عدد 1822476/5-1، مرجعا أساسيا حاسما.
في هذه النازلة قضت المحكمة صراحة بأن:
“L’ordre des avocats de Paris est un organisme de droit privé chargé de la mission d’un service public. Figurent parmi les services publics administratifs، ses activités normatives، ses décisions à caractère financier notamment celles concernant la CARPA، ainsi que l’ensemble des décisions individuelles ou collectives liées à l’accès à la profession et à l’exercice de celle-ci.”
الترجمة النصية: نقابة المحامين بباريس شخص من القانون الخاص مكلف بمهمة مرفق عام. ومن الخدمات العامة الإدارية: أنشطتها التنظيمية، قراراتها المالية خاصة المتعلقة بصندوق CARPA المماثل لحساب الودائع، وكافة القرارات المتعلقة بالولوج إلى المهنة وممارستها.
لقد جعل هذا الاجتهاد الوثائق والعمليات المالية المرتبطة بتدبير حسابات هيئات المحامين، خاضعة لقواعد الوثائق الإدارية والرقابة. و من اللافت أن هذا الاجتهاد يتقاطع مع وضع نقابة الأطباء (Ordre des Médecins)، التي يعتبر تنظيمها ومراقبتها خدمة عامة منذ اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي سنة 1943، حيث تمارس صلاحيات شرطة صحية ذات طابع عام.
اعتمدت المحكمة الفرنسية على معيار “الرابط المباشر الكافي” مع المهمة العامة لتحديد الوثائق التي تُعد إدارية وتخضع لقواعد الشفافية والاطلاع.
و في مصر، تعامل قرارات مجالس النقابات المهنية المحامين والأطباء مثلا، كقرارات إدارية خاضعة لرقابة محكمة القضاء الإداري، مما يؤكد الطابع العام الجزئي لنشاطها التنظيمي والمالي.
التوتر بين استقلالية المهنة والمصلحة العامة في المغرب: قراءة نقدية
لقد صار في علم العموم أن التعديل الجديد المذكور أعلاه، يثير توترا حقيقيا بين مبدأين دستوريين، من جهة استقلال الدفاع خصوصا المادة 118 من الدستور وما يليها، و ضرورة حماية المال العام والشفافية من جهة أخرى. فبينما يصر الاجتهاد القضائي المغربي المذكور، أعلاه على الطابع الخاص لحساب الودائع، يفرض التعديل التشريعي الجديد رقابة عليا تقرب الهيئات من مركز شبيه بالمركز القانوني للمرافق شبه العمومية.
هذا التطور الجديد لا يلغي في عمله وحتى في شكله استقلال المهنة، بل يعيد تعريف حدودها في عصر الحكامة الجيدة. فالرقابة على حساب الودائع، الذي يحتوي أموال الغير، لا تعد تدخلا في جوهر المهنة، بل ضمانة لحماية المتقاضين، تماما كما تخضع صناديق CARPA في فرنسا لرقابة مماثلة ضمن المهمة العامة للنقابة.
مما سبق بسطه، يظهر الفرق الجوهري بين الاجتهادين القضائيين المغربي والفرنسي، في درجة الاعتراف بالطابع العام لمهنة المحاماة. فالاجتهاد الفرنسي سواء في قرار TA Paris 2020 بشأن المحامين أو الاجتهاد القديم بشأن الأطباء، يميل بوضوح إلى اعتبار النقابات المهنية أشخاصا خاصة مكلفة بمهمة مرفق عام في جوانب محددة، خاصة التنظيمية والمالية والرقابية. أما الاجتهاد المغربي في قرار 2018 فيظل أكثر تحفظا، إذ يركز على الاستقلالية المهنية ويرفض تصنيف هيئات المحامين كمصالح ذات نفع عام في تدبيرها المالي، مع الاكتفاء بالاعتراف بدور مساهم للمحامين في مرفق العدالة.
في المغرب لا يمكن أن تصير مهنة المحاماة مرفقا عاما كامل المعايير، لمجرد إخضاع حساب ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لكن إدماج هذه الرقابة المالية والتدبيرية تكرس الطابع الجزئي للخدمة العمومية التي تضطلع بها هيئات المحامين أصلا في تدبير أموال مرتبطة بمرفق العدالة.
ويمكن أن نقول أن هذا التعديل يعد تطورا منسجما مع الاجتهاد الفرنسي (TA Paris 2020) ومع التوجهات الدستورية المغربية و توجهات الدولة والتزاماتها الدولية من خلال ما وقع المغرب من اتفاقيات لضمان الشفافية المالية ومحاربة الفساد وغسيل الأموال، أو تلك الالتزامات الواردة في الخطب الملكية المتعددة، دون أن يناقض جوهر استقلال الدفاع.
غير أنه في نظرنا يظل من واجب الفقه والقضاء المغربيين مهمة تأويل هذا المقتضى الجديد، بما يحفظ التوازن الدقيق بين الاستقلال المهني والمصلحة العامة، حتى لا تتحول الرقابة إلى أداة للحد من فعالية الدفاع، لأن المحاماة ولئن المقارن مهنة حرة إلا أنها متعاونة بشكل وثيق مع مرفق العدالة العمومي.
وبذلك، نعيد طرح السؤال، هل سيتخلى المشرع المغربي عن اجتهادات قضاء بلاده لفائدة اجتهادات قضائية أجنبية وبالتالي عدم إحترام مؤسسات الدولة وقضاءها؟!
* دكتور في العلوم السياسية والقانون العام من جامعة محمد الخامس بالرباط.







