ما زالت الهجرة غير النظامية عبر الضفة الجنوبية للمتوسط تبسط حضورها كأحد أكثر الملفات إلحاحاً في علاقة أوروبا بدول شمال إفريقيا خلال عام 2025، وفق قراءة موسعة لما نشرته مجلة لوبوان الفرنسية في تقرير تضمن حصيلة محدثة لتدفقات المهاجرين، مع ملاحظات لافتة حول تغير خريطة العبور وتشدد بعض العواصم المغاربية في التعامل مع الظاهرة.
وبحسب الأرقام التي استقتها المجلة من مصادر رسمية بدول الوصول ومن المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد الواصلين غير النظاميين إلى السواحل الأوروبية عبر البحر، إلى حدود 21 نونبر 2025، نحو 129 ألفاً و742 مهاجراً، أي بتراجع كبير مقارنة بسنة 2024 التي سجلت حوالي 190 ألفاً. وتُظهر الحصيلة استمرار إيطاليا في صدارة بلدان الاستقبال بحوالي 63 ألفاً و36 مهاجراً، تليها إسبانيا بما يفوق 28 ألفاً و360 شخصاً، ثم اليونان بنحو 35 ألفاً و919. أما قبرص ومالطا فظلتا في حدود أرقام محدودة لا تتجاوز 2240 و185 مهاجراً على التوالي.
وتشرح المجلة هذا التراجع بكونه وليد مزيج من العوامل السياسية والأمنية والمناخية، إذ عادة ما تتأرجح الأرقام تبعاً للمشهد الجيوسياسي المعقد في المنطقة. غير أن ما يبقى ثابتاً—وفق التقرير—هو أثر التغير المناخي الذي يدفع فئات واسعة جنوب الصحراء إلى النزوح شمالاً، بحثاً عن فرص اقتصادية أو هرباً من موجات الجفاف واتساع رقعة الأراضي غير الصالحة للزراعة.
وتتوقف لوبوان عند ثلاثة معطيات رئيسية قد تساعد في فهم خريطة الهجرة خلال العام الجاري. أولها استمرار ليبيا، رغم كل محاولات ضبط الحدود والوساطات الدولية، في لعب دور “المنصة المركزية” لشبكات التهريب التي أعادت ترتيب خطوطها وأدوات عملها منذ بداية السنة. وتشير مصادر ميدانية نقلتها المجلة إلى أن طرق التهريب انطلقت مجدداً من مناطق غرب ليبيا نحو جنوب صقلية ولَمبيدوزا، مع زيادة استخدام القوارب السريعة بدل الزوارق التقليدية، في محاولة للالتفاف على الدوريات البحرية الإيطالية.
أما المعطى الثاني فيرتبط بتونس، التي دفعت سياستها المتشددة تجاه المهاجرين غير النظاميين إلى تراجع واضح في عدد محاولات الإبحار نحو السواحل الإيطالية. وتفيد المعطيات التي أوردتها المجلة بأن حملة التضييق التي باشرتها السلطات التونسية منذ منتصف 2025—وموازاة تقارب سياسي وأمني مع روما—أسهمت في كبح جزء كبير من نشاط المهربين، ما أدى إلى انخفاض غير مسبوق في عمليات الانطلاق، خصوصاً من المدن الساحلية كصفاقس والمهدية.
وتشير المجلة إلى معطى ثالث يُعد أكثر تأثيراً على المدى المتوسط، يتعلق بتنامي الضغوط الأوروبية لتشديد التعاون الأمني مع دول المغرب الكبير، بما فيها المغرب الذي حافظ على موقعه كأحد مراكز العبور المحدودة مقارنة بجارتيه، لكنه ظل في قلب النقاش الأوروبي حول مكافحة شبكات الاتجار بالبشر. وتلفت لوبوان إلى أن الرباط كثفت خلال الأشهر الأخيرة الدوريات المشتركة مع مدريد على مستوى السواحل الشمالية، بالتزامن مع تحسن ملحوظ في التنسيق الأمني بعد أشهر من الفتور السياسي.
وتخلص المجلة الفرنسية إلى أن سنة 2025 ليست سنة “تراجع نوعي” للهجرة غير النظامية بقدر ما هي سنة “إعادة توزيع للأدوار”، حيث تعود ليبيا إلى الواجهة، وتتراجع تونس، ويواصل المغرب تموضعه الحذر بين ضبط حدوده البرية والبحرية وتجنيب أراضيه الضغط الأوروبي المفرط على حساب استقراره الداخلي.







