لم تهدأ بعد العاصفة التي فجّرها التسريب المصوَّر لاجتماع لجنة الأخلاقيات والتأديب التابعة للجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، حتى جاء مقال الحقوقي والمحامي خالد الجامعي ليصُب مزيدًا من الزيت على نار جدل يتسع كل يوم.
الجامعي، المعروف بمواقفه الصريحة في الدفاع عن حرية التعبير واستقلال القضاء، لم يُهادن في تشريحه لما اعتبره “فضيحة مهنية وأخلاقية غير مسبوقة”، معلناً بوضوح أنّ أعضاء اللجنة، كما ظهروا في المقطع المسرّب، باتوا معنيين بمتابعة جنائية لا تقل خطورة عن حجم التجاوزات التي التقطتها الكاميرا “بالصوت والصورة”.
وفي مقال شديد اللهجة، وضع الجامعي إصبعه على الجرح الذي أصاب صورة مؤسسة يُفترض فيها حماية شرف المهنة وسلامة التنظيم الذاتي، لكن التسريب كشف، كما قال، عن “نزوع انتقامي واستعمال مفرط للسلطة” بلغ حد الإهانة والتهديد، سواء بحق الصحافي حميد المهداوي أو بحق دفاعه ومحاميه، بل وبحق مؤسسة القضاء ذاتها، حين وردت إشارات إلى إمكانية التأثير في قاضٍ سامٍ أو استمالته بـ“كلمة صغيرة”.
الجامعي عاد أيضا إلى تفاصيل المشهد الذي هزّ الرأي العام، مذكّراً بأن أعضاء اللجنة ظهروا وهم يتداولون في ملف المهداوي بأسلوب وصفه بـ“الفضّ وغير اللائق”، مستعملين لغة “السب والقدف والتهديد”، في تناقض صارخ مع واجبات التحفّظ والوقار المفروضة على أي هيئة تأديبية.
ولم يتوقف الجامعي عند الجانب الأخلاقي، بل ذهب أبعد حين أكد أن الشريط نفسه يشكل “حالة تلبّس” تفرض مساءلة جنائية لأعضاء اللجنة، واصفاً سلوكهم بـ“إفشاء سرية المداولات، إهانة هيئة منظمة، استغلال النفوذ، التحريض على التأثير في القضاء، والسب والقذف”. ورأى أن القضية لم تعد شأناً داخلياً للجنة المؤقتة، بل صارت “قضية رأي عام” تستدعي لجنة تحقيق مستقلة، برلمانية أو قضائية أو حتى دولية، لإجلاء الحقيقة وإعادة الاعتبار للمهنة.
وجاء تفاعل الجامعي متناغماً مع موجة انتقادات واسعة انطلقت منذ نشر التسريب، بعدما ظهر أعضاء اللجنة في وضع لا يشبه ما ينتظر من هيئة يُناط بها صون أخلاق المهنة. فقد بدا جلياً، وفق الانتقادات التي تصاعدت في الأوساط الصحفية والحقوقية، أن النقاش داخل اللجنة كان مشوباً بانفعال غير مهني، وبتعبيرات وُصفت بأنها تحطّ من قدر المحامين والصحافيين والقضاء، ما دفع الهيئات المهنية إلى التعبير عن صدمة حقيقية.
النقابة الوطنية للصحافة المغربية نددت بما وصفته بـ“اللغة الحاطة بالكرامة الإنسانية”، بينما وصفت فيدرالية الناشرين ما جرى بأنه “مجزرة أخلاقية وحقوقية ضد الصحافة”. أما المعارضة البرلمانية، فقد طالبت، من العدالة والتنمية إلى فدرالية اليسار والتقدم والاشتراكية، بفتح تحقيق قضائي فوري، معتبرة أن ما ورد في الفيديو “يمس استقلال القضاء ويضرب الثقة في التنظيم الذاتي للصحافة”.
وعلى الجانب الآخر، برز قرار اللجنة المؤقتة بمقاضاة المهداوي باعتباره، وفق بيانها، “مروّجاً لتسجيل مركّب وممنتج بغرض التشهير”، غير أن هذا الموقف لم يُقنع كثيرين في الوسط المهني، الذين رأوا أن محاولة التركيز على “كيفية التسريب” بدل “مضمونه” ليست سوى محاولة للالتفاف على الأسئلة الجوهرية التي فجّرها التسجيل. وزاد من حدّة السجال إعلان الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن الولاية القانونية للجنة المؤقتة انتهت عملياً منذ مطلع أكتوبر، ما يجعل تحركاتها الحالية بلا سند شرعي.
وبالعودة إلى مقال خالد الجامعي، يتضح أنه لا يكتفي بالدفاع عن المهداوي في معركته مع اللجنة، بل يضع القضية في إطار أشمل يتعلق بتدهور أوضاع الصحافة المغربية، معتبراً تسريب المهداوي “انتصاراً لمبدأ الشفافية” وفضحاً لـ“منطق الهيمنة” الذي يتهدد المهنة. ويذهب الجامعي بعيداً حين يشبه ما جرى بـ“حرب داخلية تشنها أيدٍ من داخل الجسم الصحافي نفسه”، معبّراً عن أسفه لوصول المؤسسة المعنية بالتنظيم الذاتي إلى هذا المستوى من “الاضطراب” و“سوء استعمال السلطة”.







