في وقت تتعالى فيه تحذيرات الأطباء والباحثين من تسارع انتشار ما بات يُعرف إعلاميًا بـ“الإنفلونزا الخارقة”، يجد المغرب نفسه مقبلًا على اختبار صحي معقّد، بالتزامن مع العدّ التنازلي لانطلاق منافسات كأس إفريقيا للأمم 2025، المرتقب افتتاحها في 21 دجنبر الجاري، وسط مؤشرات وبائية مقلقة وأسئلة معلّقة بشأن جاهزية المنظومة الصحية وتدبير مخاطر التجمعات الجماهيرية الكبرى.
المعطيات المتداولة داخل الأوساط الطبية تشير إلى موسم إنفلونزا مبكر وغير اعتيادي، مع تسجيل ارتفاع متسارع في حالات الإصابة بأعراض شبيهة بالإنفلونزا منذ منتصف نونبر، وبحدة أكبر مما جرت عليه العادة في مثل هذا التوقيت من السنة. ويعزو مختصون هذا المنحى إلى ظهور سلالة فرعية جديدة من فيروس الإنفلونزا A(H3N2)، راكمت خلال صيف 2025 طفرات جينية مكّنتها من الإفلات الجزئي من المناعة المكتسبة، وساهمت في انتشارها السريع عبر القارات، قبل أن تبدأ ملامحها في الظهور داخل المغرب، في انتظار الأرقام الرسمية لوزارة الصحة.
ورغم حساسية الظرف، إلا أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لم تعلن إلى حدود الساعة عن أي بروتوكول وقائي خاص بتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى في ظل هذا السياق الوبائي، سواء تعلق الأمر بإجراءات المراقبة الصحية في الملاعب، أو بخطط التعامل مع توافد عشرات الآلاف من المشجعين القادمين من الخارج، أو بتدابير احترازية داخل وسائل النقل، والفنادق، والفضاءات المغلقة التي يُرتقب أن تشهد كثافة بشرية غير مسبوقة خلال الأسابيع المقبلة.
وتحذر المصادر من أن الجمع بين موسم إنفلونزا قوي وسريع الانتشار، وتظاهرة قارية بحجم كأس إفريقيا، قد يخلق ظروفًا مثالية لظهور بؤر وبائية محلية، خصوصًا في المدن المستضيفة، معتبرة أن أي تأخر في استباق السيناريوهات المحتملة قد يترجم لاحقًا إلى ضغط إضافي على المستشفيات، وأقسام المستعجلات، والإنعاش، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية أصلًا من محدودية الموارد البشرية والاكتظاظ الموسمي.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول تدبير المخاطر الصحية المرتبطة بالأحداث الكبرى، إذ يستحضر مهنيون في الذاكرة قرار المغرب سنة 2015 الانسحاب من تنظيم كأس إفريقيا للأمم، بسبب مخاوف مرتبطة آنذاك بانتشار وباء إيبولا في عدد من الدول الإفريقية، رغم عدم تسجيل أي حالة داخل التراب الوطني. ويعتبر هؤلاء أن المفارقة اليوم تكمن في أن خطرًا وبائيًا فعليًا بدأ يطرق الأبواب، في ظل صمت رسمي يُفهم منه، وفق تعبيرهم، التقليل من حجم التحدي أو الرهان على مرور الحدث دون اضطرابات صحية كبرى.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن السلالة المنتشرة حاليًا تتسبب في أعراض أشد، وتؤدي إلى مضاعفات خطيرة لدى الفئات الهشة، من قبيل كبار السن، والمصابين بأمراض مزمنة، والنساء الحوامل، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، إضافة إلى الأطفال الصغار، ما يرفع من احتمال الاستشفاء ويضاعف مخاطر إنهاك القطاع الصحي في حال تزامن انتشار العدوى مع ذروة التوافد الجماهيري.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه المعطيات العلمية أن اللقاحات الموسمية المعتمدة هذا الموسم لا تتطابق تمامًا مع السلالة الجديدة، إلا أنها تظل، بحسب المختصين، فعالة في الحد من الحالات الخطيرة والوفيات، وهو ما يعيد طرح سؤال السياسة التواصلية للوزارة، ومدى انخراطها في تحسيس الفئات المعنية، وتشجيع التلقيح، وتوضيح المخاطر دون تهوين أو تهويل، خاصة في سياق إقليمي ودولي يتسم بعودة القلق من الإنفلونزا الموسمية بقوة.
ويجمع متتبعون على أن تنظيم كأس إفريقيا يشكل مكسبًا رياضيًا واقتصاديًا وصورةً للبلاد، غير أن الحفاظ على هذا المكسب يمر، في نظرهم، عبر مصارحة الرأي العام، واعتماد مقاربة وقائية واضحة، توازن بين متطلبات التنظيم وضرورات السلامة الصحية، تفاديًا لتحول العرس الكروي إلى عبء صحي، أو إلى اختبار صعب لقدرة النظام الصحي على الصمود أمام ضغط مزدوج، وبائي وجماهيري، في آن واحد.







