في ظل عودة ملف التعليم الأولي إلى واجهة النقاش العمومي، تفجّر بإقليم تندرارة توتر جديد داخل أوساط مربيات ومربي القطاع، على خلفية عقود عمل وُصفت من قبل فاعلين نقابيين ومهنيين بأنها تكرّس الهشاشة وتضرب أسس الاستقرار المهني.
معطيات حصلت عليها نيشان تفيد بأن عدداً من الأطر فوجئوا بصيغ تعاقدية تتضمن التزامات مشددة وغير مألوفة في علاقات الشغل، سواء من حيث الحصرية، أو السرية، أو الآثار المترتبة عن فسخ العقد.
نماذج من هذه العقود، التي اطلعت عليها نيشان، تنص على التزام حصري يمنع المربي أو المربية من مزاولة أي نشاط مهني آخر، حتى إن كان غير منافس، إلى جانب بنود واسعة تتعلق بالسر المهني، تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء العلاقة التعاقدية. كما تتضمن هذه العقود مقتضيات تأديبية صارمة، تصل إلى حد الطرد، مع التنصيص على أداء تعويضات مالية جزافية لا تقل عن 100 ألف درهم، دون استبعاد المتابعة القضائية، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تناسب هذه الشروط مع طبيعة العمل ووضعية فئة تشتغل في قطاع يوصف بالحساس والهش في آن واحد.
مصادر مهنية اعتبرت أن هذه الصيغة التعاقدية لا توفر أي ضمانة حقيقية للاستقرار، خاصة في ظل ربط مصير المربيات والمربين باستمرار الشراكات بين الوزارة الوصية والجمعيات المدبرة، ما يجعلهم عملياً عرضة لفقدان مناصبهم في أي لحظة، ودون تعويض أو حماية اجتماعية، رغم سنوات من العمل داخل أقسام التعليم الأولي، وفي ظروف صعبة وأجور محدودة.
في هذا السياق، أصدرت النقابة الوطنية لأساتذة وأستاذات التعليم الأولي، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فرع تندرارة، بياناً استنكارياً عبّرت فيه عن رفضها لما اعتبرته عقوداً “مجحفة” تحوّل الشغل إلى أداة للضغط والترهيب، وتفتح الباب أمام الطرد التعسفي دون ضمانات قانونية.
وحمّلت النقابة المسؤولية للجهات المعنية والوصية، معتبرة أن تمرير هذه العقود، أو الصمت إزاءها، يشكل مساساً بكرامة الشغيلة التعليمية وتنكرًا لسنوات من العمل والتضحية داخل القطاع.
ويأتي هذا المستجد في سياق وطني يتسم باستمرار الجدل حول نموذج تدبير التعليم الأولي، خاصة بعد التصريحات البرلمانية التي أدلى بها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، خلال شهر نونبر الماضي، والتي تحدث فيها عن توجه نحو تمديد مدة التعاقد بين الوزارة والجمعيات إلى خمس أو ست سنوات. تصريحات قوبلت حينها بانتقادات نقابية واسعة، رأت فيها تكريساً لمنطق التدبير المفوض، وإبعاداً لسيناريو الإدماج في الوظيفة العمومية.
نقابيون كانوا قد نبهوا، في أكثر من مناسبة، إلى أن رفع مدة التعاقد لا يعالج أصل الإشكال، بل قد يضفي غطاءً زمنياً على أوضاع مخالفة لمقتضيات قانون الشغل، الذي يحدد سقف العقود محددة المدة ويفرض الانتقال إلى العقود غير المحددة في حالات معينة. كما أشاروا إلى استمرار اختلالات أخرى مرتبطة بالأجور، والترقيات، وتوسيع مهام المربين خارج إطارها البيداغوجي.
وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن ملف التعليم الأولي مرشح لمزيد من الاحتقان، في وقت تتسع فيه الهوة بين الخطاب الرسمي حول تعميم القطاع وتثمين موارده البشرية، والواقع المهني اليومي الذي تعيشه المربيات والمربون، والمرتبط بعقود عمل تفتقر، بحسب مهنيين، إلى أبسط شروط الأمان والاستقرار.







