بين أوراش تُعلن بأرقام ضخمة، وميزانية مثقلة بأحكام قضائية وديون متراكمة، يجد المجلس الجماعي لتطوان، الذي يقوده مصطفى البكوري عن حزب التجمع الوطني للأحرار، نفسه في قلب نقاش متصاعد حول قدرته الفعلية على تدبير الشأن المحلي، ومدى انسجام قراراته مع حاجيات المدينة وإكراهاتها الواقعية. فالصورة التي تتشكل اليوم، وفق معطيات متقاطعة من داخل المجلس وخارجه، لا تعكس فقط صعوبات تقنية أو ظرفية، بل تكشف عن اختلالات أعمق في الرؤية والتخطيط وترتيب الأولويات.
إقرار الأغلبية المسيرة بعجزها عن التدبير الذاتي لمشاريع هيكلة عدد من الأحياء والشوارع شكّل لحظة فارقة في هذا المسار. فاختيار إسناد هذه الأوراش إلى شركة العمران، بما تحمله من كلفة مالية مرتفعة، جرى تبريره بنقص حاد في الأطر والمهندسين داخل الجماعة، وصعوبة التتبع والمراقبة واحترام آجال الإنجاز. غير أن هذا التبرير لم ينجح في تبديد الشكوك حول مدى استعداد المجلس لتحمل مسؤوليته الكاملة في إنجاز مشاريع حيوية، ولا حول الثمن المالي والمؤسساتي لهذا التفويض، خاصة في ظل خطاب رسمي سابق كان يراهن على التدبير الذاتي وبناء خبرة جماعية مستقلة.
مصادر مطلعة أفادت بأن الجدل لم يتوقف عند الجانب التقني، بل سرعان ما اتخذ أبعادًا سياسية وانتخابية. فمع اقتراب استحقاقات 2026، تصاعدت داخل الأغلبية نفسها مخاوف من توظيف مشاريع الهيكلة كورقة في السباق نحو الأصوات، في ظل غموض يلف معايير تحديد الأحياء المستفيدة وترتيب الأولويات. هذا الوضع، بحسب المصادر نفسها، يهدد بتحويل مشاريع يُفترض أن تستجيب لحاجيات اجتماعية ملحة إلى أدوات لتلميع الصورة، على حساب الأحياء الأكثر هشاشة التي راكمت سنوات من التهميش وضعف الخدمات.
وفي مواجهة هذا الضغط، لم يجد المجلس، وفق المعطيات المتوفرة، سوى توسيع دائرة الاستنجاد بالدعم المركزي، من خلال طلب مساندة وزارة الداخلية وقطاعات وزارية أخرى، إلى جانب اللجوء إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي. خطوة يرى فيها فاعلون محليون حلًا مرحليًا لفك اختناق التمويل، لكنها في المقابل تضع الجماعة أمام عبء مديونية إضافية، في وقت لم تتعافَ فيه بعد من كلفة أحكام قضائية نهائية تثقل ميزانيتها وتحد من هامش تحركها.
هذه الأحكام، المرتبطة أساسًا بملفات نزع الملكية والاعتداء المادي، ألزمت الجماعة بأداء تعويضات تفوق 176 مليون درهم، موزعة على عشرات القضايا الرائجة أمام مختلف درجات التقاضي. أرقام أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول جودة الدفاع عن مصالح الجماعة أمام القضاء، ومدى احترام المساطر القانونية في إنجاز المشاريع العمومية، خاصة تلك المتعلقة بشق الطرق وتأهيل الأحياء الهامشية.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع توالي القضايا التي طالت منتخبين من داخل الأغلبية نفسها، بعد صدور أحكام قضائية ثقيلة في ملفات اختلاس ونصب وتزوير. هذه التطورات فجّرت نقاشًا داخليًا محتدمًا حول أخلاقيات العمل السياسي ومسؤولية الأحزاب في تزكية مرشحين تلاحقهم ملفات جنائية، بين من يطالب بتفعيل مساطر العزل وتجميد العضوية حفاظًا على مصداقية المؤسسة، ومن يفضل تدبير هذه الملفات بمنطق الصمت والانتظار تحت ضغط الحسابات الحزبية والانتخابية.
وبموازاة ذلك، برزت إلى العلن خلافات داخل الأغلبية نفسها بشأن ملفات التعمير، بعد مداخلات رسمية أثارت شبهات حول تراخيص لتجزئات سكنية في مناطق غير مهيكلة وقريبة من مجاري مائية. تحقيقات إدارية فتحتها السلطات المختصة أعادت التأكيد على أن المسؤولية النهائية في هذا المجال تبقى على عاتق رئاسة الجماعة، ما زاد من حدة التوتر داخل المجلس، وألقى بظلال من الشك على حكامة قطاع يُعد من أكثر الملفات حساسية في مدينة تعرف توسعًا عمرانيًا غير متوازن.
ولا يقف الجدل عند حدود المشاريع والملفات القضائية، بل يمتد إلى نفقات التسيير، حيث فجّر مشروع ميزانية 2026 نقاشًا حادًا حول كلفة استغلال أسطول سيارات الجماعة، التي قاربت 400 مليون سنتيم قبل الإعلان عن تخفيضها. معارضة المجلس رأت في هذه النفقات مفارقة صارخة في سياق تعاني فيه أحياء واسعة من ضعف البنيات التحتية والخدمات الأساسية، بينما دافعت الأغلبية عن اختياراتها بذريعة اعتبارات تقنية ومالية لم تُقنع كثيرًا من المتابعين.
وفي ضوء هذه المعطيات المتداخلة، ترى المصادر أن مجلس تطوان يقف أمام امتحان حقيقي لاستعادة البوصلة. فالتحدي لم يعد يقتصر على إطلاق المشاريع أو البحث عن التمويل، بل بات مرتبطًا بقدرة الأغلبية المسيرة على تقديم رؤية واضحة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستعادة ثقة ساكنة أنهكتها وعود متكررة واختلالات تتجدد بأشكال مختلفة. امتحان ستكشف مخرجاته، في قادم الدورات والاستحقاقات، ما إذا كانت المدينة قادرة على تجاوز أعطاب التدبير، أم أن كلفة التردد والارتباك ستظل تُدفع من رصيدها التنموي.







