في الوقت الذي كان يُفترض أن تُترجم فيه التساقطات المطرية الأخيرة إلى انفراج في وضعية الأسواق، وجد المغاربة أنفسهم أمام موجة جديدة من الغلاء طالت الخضر الأساسية، محوِّلة نعمة الأمطار إلى عبء إضافي على القدرة الشرائية، في ظل غياب أي مؤشرات على تدخل فعلي من وزارة الفلاحة أو السلطات الوصية لضبط الوضع أو احتواء انعكاساته الاجتماعية.
وكانت موجة البرد المصحوبة بأمطار قوية، والتي همّت عددا من المناطق الفلاحية خلال الأسابيع الأخيرة، قد ألحقت أضرارا مباشرة بعدة محاصيل، خاصة الخضر الأكثر استهلاكا، من قبيل البطاطس والطماطم والبصل والكوسة والفلفل.
في السياق ذاته، تحدث مهنيون في القطاع عن تباطؤ في نمو المزروعات وخسائر جزئية بفعل انخفاض درجات الحرارة على مستوى التربة، وصعوبات ميدانية في الجني والتسويق، وهو ما انعكس سريعا على الأسعار في الأسواق.
وفي سوس ماسة، وتحديدا بمحيط اشتوكة، التي توصف بـ“سلة خضر المغرب”، بدأت آثار هذه الاختلالات تظهر بوضوح على مستوى الأسعار المعروضة للمستهلك. أرقام البيع بالتقسيط تكشف عن مستويات مرتفعة مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الماضية، في وقت يُفترض فيه أن تعرف الأسواق وفرة نسبية. ويبدو الوضع أكثر حدة في المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، حيث سجلت بعض الخضر زيادات وُصفت من طرف مهنيين بـ“غير المبررة”، بالنظر إلى حجم الإنتاج الوطني.
مصادر مهنية حمّلت جزءا من المسؤولية لاختيارات تدبيرية قديمة، معتبرة أن توجيه جزء كبير من الإنتاج نحو التصدير، بدافع البحث عن العملة الصعبة، يتم في كثير من الأحيان على حساب السوق الداخلية، دون أي آليات ضبط أو توازن تحمي القدرة الشرائية للمغاربة. وأضافت المصادر ذاتها أن ارتفاع كلفة النقل والطاقة، إلى جانب الخسائر المرتبطة بالأمطار والبرد، يُستعمل اليوم كذريعة جاهزة لتبرير كل زيادة، في غياب مراقبة حقيقية لسلاسل التوزيع.
الخسائر لم تقتصر على الخضر فقط، إذ تضررت زراعات الحمضيات بدورها، خاصة في مناطق الغرب، حيث أدت التساقطات الغزيرة إلى تساقط الثمار وصعوبات في الجني، بسبب نقص اليد العاملة وصعوبة الولوج إلى الحقول. أما البطاطس، التي تشكل مادة أساسية في المائدة المغربية، فتعيش وضعا مقلقا، بحسب فاعلين في القطاع، الذين حذروا من استمرار الضغط على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة إذا لم تتحسن الظروف أو يتم التدخل لضبط السوق.
ومع اقتراب عودة وتيرة التصدير إلى مستواها العادي بعد نهاية عطلة رأس السنة، يرتقب مهنيون أن يستمر التوتر في الأسواق، خصوصا مع ارتفاع الطلب الداخلي، وهو ما ينذر بموجة غلاء جديدة تطال فئات واسعة من المستهلكين. وفي المقابل، يراهن البعض على تحسن الطقس خلال الأسابيع المقبلة لرفع الإنتاج، غير أن هذا “الأمل المناخي” يبقى، في نظر متتبعين، رهانا هشا لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها.
في هذا السياق العام، يبدو أن موجة الأمطار كشفت مرة أخرى هشاشة تدبير القطاع الفلاحي، وعجز السياسات العمومية عن التوفيق بين متطلبات التصدير وضمان الأمن الغذائي الداخلي. وبينما يُطلب من المواطن تحمل تبعات المناخ والسوق معا، يطرح الغياب شبه التام لأي تدخل رسمي لضبط الأسعار أو دعم المتضررين أكثر من علامة استفهام حول موقع المستهلك في معادلة الفلاحة المغربية.







