لم تمضِ سوى أيام قليلة على الزيادة التي أقرتها شركات التوزيع في محطات الوقود منتصف يوليوز الجاري، حتى عادت المخاوف لتخيم على الشارع المغربي بشأن سيناريو أشد قسوة مع حلول شهر غشت المقبل.
وهذه المرة، لا تغذي هذه المخاوف تقلباتُ السوق العادية فحسب، بل تتشابك فيها نُذر التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع قرار موسكو فرض حظر مؤقت على صادرات الغازوال عقب الضربات التي طالت عدداً من منشآت التكرير الروسية. وهو تقاطع جيوسياسي يرى متتبعون لأسواق الطاقة أنه قد يمنح شركات التوزيع والمستوردين مبررات إضافية لتسويق أي زيادات مرتقبة في الأسعار بدعوى ارتفاع كلفة البدائل وتأمين الإمدادات.
غير أن العودة إلى أرقام الأشهر الماضية تكشف جانباً آخر من هذه المعادلة. فخلال النصف الأول من سنة 2026، استورد المغرب نحو 1.35 مليون طن من الغازوال الروسي، وهو ما يعادل أزيد من 31 في المائة من إجمالي الواردات الوطنية لهذه المادة، وفق بيانات حركة الملاحة الدولية لشركة “فورتيكسا”. وقد تدفقت هذه الشحنات على الموانئ المغربية بأسعار تفضيلية وخصومات فرضتها العقوبات الغربية على موسكو، غير أن عدداً من المتابعين لملف المحروقات بالمغرب يرون أن انخفاض تكاليف استيرادها لم ينعكس، بالقدر المأمول، على الأسعار المؤداة من طرف المستهلكين.
كما تفيد معطيات مجلس المنافسة بأن تسع شركات فقط تستحوذ على ما يقارب 81.7 في المائة من واردات المحروقات بالمغرب، وهو ما أعاد إلى الواجهة، خلال السنوات الأخيرة، النقاش بشأن آليات تسعير هذه المادة الحيوية ومستوى انعكاس تقلبات الأسعار العالمية على السوق الوطنية، سواء تعلق الأمر بارتفاع الأسعار أو بانخفاضها.
واليوم، ومع إغلاق الصنبور الروسي وتصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، لا يستبعد متتبعون أن يؤدي ارتفاع تكلفة الاستيراد خلال المرحلة المقبلة إلى انعكاس سريع على الأسعار المطبقة بمحطات الوقود، خاصة إذا اضطرت الشركات إلى اللجوء إلى أسواق بديلة أكثر كلفة، من قبيل إسبانيا أو الولايات المتحدة، لتأمين حاجيات السوق الوطنية.
وفي هذا السياق، يتجدد النقاش بشأن كلفة استمرار توقف مصفاة “سامير”، إذ إن غياب التكرير الوطني جعل المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المواد النفطية المكررة الجاهزة، كما قلّص من هامش المناورة المتاح لامتصاص صدمات الأسواق الدولية، في ظل قدرة تخزينية وطنية محدودة تقدر بنحو 1.57 مليون طن.
وبين غلاء يوليوز والمخاوف المرتبطة بشهر غشت المقبل، يعيد هذا التطور الجدل إلى الواجهة بشأن آليات تسعير المحروقات بالمغرب ومدى انعكاس تقلبات الأسعار العالمية، ارتفاعاً وانخفاضاً، على الأسعار المحلية.
كما يجدد مطالب عدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي بضرورة تعزيز الشفافية المتعلقة بمنشأ الشحنات المستوردة وتكلفتها الحقيقية وهوامش الربح المعتمدة، بما يتيح للمستهلك المغربي الوقوف على الكيفية التي تتحدد بها الأسعار عند المضخة، في سوق تظل شديدة الارتباط بتقلبات الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.







