في بداية التسعينيات، كان المغرب بالأبيض والأسود، مقسم الى معسكرين: اليسار والمخزن، المناضلون والمخبرون، “كوكا” و”فانتا”، كلية الآداب وكلية العلوم… كنا في مستهل مشوارنا الجامعي بمكناس، في كلية العلوم، لا يفصلنا إلا سور من أربعة أمتار عن كلية الآداب، في حي الزيتون الذي لم يعد فيه أثر للزيتون.
ذات خميس سمعنا أن جيراننا الأدبيين ينظمون ندوة يشارك فيها عدد من الكتّاب، من بينهم المرحوم إدريس الخوري، الذي كان معروفا بفضل جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، أيام كانت توزع أكثر من مائة ألف نسخة، وكان أحد ألمع أقلامها، كما كانت الكلية تحتضن عرضا مسرحيا لعبد الحق الزروالي، وكانت شهرة صاحب “كدت أراه” تفوق شهرة كل الكتاب المشاركين، بفضل المسرحيات التي يؤلف ويخرج ويمثل لوحده على الخشبة، ناهيك عن إطلالاته التلفزيونية المباغتة، التي تثير الفضول والاهتمام، كما تثيرها في الآونة الأخيرة قفشاته على وسائل التواصل الاجتماعي…
بعد نهاية حصة “الجينيتيك” قفزنا الجدار الفاصل بين “العلوم” و”الآداب” لكي نحضر النشاط، وحين اقتربنا من مدرج “ابن زيدان”، وجدنا الزملاء يغلقون الباب رافعين شعارات غاضبة، فيما بعض الأساتذة يحاولون إقناعهم بالتوقف عن الاحتجاج دون جدوى. عندما سمعنا الطلاب يرددون: “الزروالي سير بحالك الجامعة ماشي ديالك”، فهمنا أنهم يعترضون على حضور رائد المسرح الفردي. لماذا؟ لأنه “استقلالي”، وحزب علال الفاسي كان ضمن قائمة الأحزاب المنبوذة في الجامعة المغربية، أيام سيطرة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، المنظمة التي لا تتسامح مع “الرجعيين” و”الظلاميين”، بسبب مبادئها الأسطورية: جماهيرية، تقدمية، ديمقراطية، مستقلة.
كانت أسوأ شتيمة يمكن أن يتعرض لها الطالب في ذلك الزمان -بعد “الأواكس”- هي نعته بالانتماء إلى “الاتحاد العام لطلبة المغرب”، نقابة حزب “الاستقلال”، التي أنشئت لتنافس “أوطم”، ومن بين من تعاقبوا على قيادتها الراحل محمدالوفا وعبد الواحد الفاسي. كان أعضاؤها يشبهون الباندا أو الكوالا وغيرها من الحيوانات النادرة، تسمع عنهم دون أن تراهم، لذلك كان منظر عبد الحق الزروالي مثيرا داخل الجامعة، والطلاب يتهمونه بالانتماء إلى “الاتحاد العام لطلبة المغرب”!
أن تكون “إصلاحيا” أصلا كانت مشكلة في تلك السنوات “الثورية”، حتى لو انتميت إلى اليسار، فما بالك أن تكون عضوا في حزب “الاستقلال”… حتى الانتماء إلى “الاتحاد الاشتراكي” أو “التقدم والاشتراكية” كان صعبًا وسط الموجة الثورية التي غمرت الجامعة المغربية، لأنها أحزاب “إصلاحية”، تريد “تغيير المؤسسات من الداخل” وتشارك في “الانتخابات المزورة”. أن تكون “تقدميًا” حقيقيا معناه أن تنخرط في إحدى فصائل “القاعديين” الكثيرة، التي تتناسل بلا توقف: “النهج”، “الكراس”، “البرنامج المرحلي”، “الكلمة الممانعة”… وكلها ترى أن “العنف الثوري” هو الوسيلة الوحيدة للخلاص من “النظام الديكتاتوري” ورفع العلم الأحمر خفّاقا فوق المباني الرسمية، وإقرار “ديكتاتورية البروليتاريا”، وكانت تلاقي شعبية كبيرة وسط الطلاب. لابأس أن تنتمي إلى “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”، لأنها وريثة “23 مارس”، منافِسة “إلى الأمام” في الراديكالية أيام السبعينيات، قبل أن “تُدَجَّن” وتدخل معترك العمل السياسي “المشروع” . حزب “الطليعة” أيضا كانت سمعته جيدة وسط “الثوار”، رغم أنه خرج من رحم “الاتحاد الاشتراكي”. كان طلابه يُعرفون ب”رفاق الشهداء”، أو طلبة الاتحاد الاشتراكي- اللجنة الإدارية، مقابل طلاب الاتحاد الاشتراكي- المكتب السياسي، الذي كان يطلق عليه الجناح الانتخابي، إثر أحداث 1983 التي أدت إلى اعتقال عدد من أعضاء اللجنة الإدارية أمام مقر الحزب، بعد أن أصبح الخلاف بين أنصار المشاركة في الانتخابات ومؤيدي المقاطعة يشبه الصراع بين شيعة علي وأنصار معاوية…
وسط هذه الأجواء الراديكالية الخطيرة، جاء عبد الحق الزروالي إلى الجامعة، بشعره المنفوش ومسرحه الفردي وشبابه الأبدي واعتداده المستفز بالنفس. بالنسبة للقاعديين، صاحب “رحلة العطش” مجرد “رجعي”، الدليل أنه سبق وأن اشتغل في جريدة “العلم” وكان عضوا في ديوان وزير الثقافة الاستقلالي سعيد بلبشير، إنه “العدو المثالي” الذي يفتش عنه “الثوريون” من سنوات. أخيرا ظهر عضو من “الاتحاد العام لطلبة المغرب” في قلب “الحرم الجامعي”. الفرصة أجمل من أن تضيع. لا بد من منعه انتقاما من “الرجعية” والإمبريالية” و”الكومبرادور”… لكن ما ذنب إدريس الخوري؟ الكاتب الراديكالي الذي لا ينتمي إلا إلى مزاجه الحاد؟
بمجرد عودته الى الدار البيضاء، كتب صاحب “حزن في الرأس وفي القلب” مقالا حانقا في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، وصف فيه الطلاب المحتجين بأقذع النعوت، قبل أن يتساءل بالدارجة الفصحى: “شكون بغاو يكونو گاع هاد القاعديين؟” رحم الله بّا ادريس !







