تحوّل خط النهاية بحي كريمة بمدينة سلا من محطة اعتيادية للترامواي إلى ملتقى ومقرّ عمل للمتسولين، بأعداد كبيرة وأعمار مختلفة. يتنافسون في سباق يومي حول من سيصل إلى المواطن أولًا لطلب المال.
هنا، يكشف كل متسول عن مهاراته وكفاءته في المكان الخطأ؛ فمنهم من يتخذ من مرضه وسيلة مؤثرة تضعك في موقف محرج ينتهي غالبًا باستنزافك، ومنهم نساء يحملن رُضّعًا لكسب عاطفة الناس، غير مباليات لا بصحة الأطفال ولا بأمانهم. في مشهد مؤلم، تلتقط عيناك ذلك الرضيع الذي تحمله أمه متعبًا، يتدلّى رأسه في وضعية غير مريحة، ومُعرّضًا لمختلف أنواع الخطر.
قد تظن أن اختيارهم لمحطة الترامواي كموقع هو أمر عبثي، لكنه في الواقع خطوة مدروسة من كل الجوانب لضمان حصيلة مهمة في نهاية اليوم. فباصطفافهم بجانب كشك التذاكر، يشكلون وسيلة ضغط على مستعملي الترامواي، وهي حركة ذكية وماكرة في الوقت نفسه، كما عبّر أحد المتضررين.
ينتظرون أوقات الذروة بحذر تام لاستغلال عامل الوقت والكثافة، ثم ينطلق العدّ العكسي؛ فيبدؤون بالتجمع أولًا حول الأكشاك واحدًا تلو الآخر، يحدقون بأعين غير بريئة بحثًا عن ضحية لافتراسها. وحين يتخذ كلٌّ منهم موضعه المعتاد، يبدأ التدافع العنيف للظفر بأفضل غنيمة، ما يؤدي أحيانًا إلى حجب الرؤية عن المشترين، ويدفع مستعملي الترامواي إلى تفويت رحلاتهم لعدم تمكنهم من اقتناء التذكرة في الوقت المناسب، ناهيك عن إزعاج المواطنين وافتعال الخلافات في حال رفضهم تقديم المال.
تختلف الأساليب، لكن الغاية واحدة؛ فمنهم من يسلك طريقًا غير مباشر للتسول، مستعملًا مهارتي الإخراج والتمثيل معًا، بادعائه في الغالب أنه في مأزق طارئ يستدعي التنقل الفوري، وأنه يحتاج فقط إلى ثمن تذكرة لرحلة واحدة، كإظهار لحسن نيته.
وهكذا تنطلي الحيلة على العديد من الناس ليتمكن المتسول بعدها من الانتقال من شخص إلى آخر وجمع المبلغ ذاته مرات عديدة. وحتى إذا قررت استعمال ذكائك وعرض شراء التذكرة له حرصًا على التأكد من صحة القصة، يتركك تفعل، وينتظر حتى تبتعد عن أنظاره، ليقوم بإعادة بيعها لشخص آخر، بعد نسج قصة خيالية جديدة بالطبع.
هذا المشهد المتكرر يجعلك تعيد التفكير قبل ركوب الترامواي. كما عبّرت إحدى المتضررات بنبرة بائسة عن أن الوضع أصبح غير محتمل إلى درجة دفعتها للتفكير في اختيار وسيلة نقل أخرى لتفادي الاحتكاك اليومي بهذه الفئة.







