رغم تقرير منارة الحسيمة وما تلاه من إعفاءات، يتضح أن المغرب لن يجد طريقه للمصالحة مع مواطنيه ما لم تمتلك الدولة إرادة فعلية تربط المسؤولية بالمحاسبة.
الرقم الصادم من المجلس الأعلى للحسابات يوضح حجم الأزمة: 59٪ من البرامج الموقعة أمام الملك لم تُنفذ، و91٪ من الغلاف المالي تبخّر.
مشاريع ظلّت مجرد سراب، وأخرى نُفذت لكنها انتهت بفساد وتلاعب بعد استهلاك مئات المليارات، دون متابعة أي مسؤول. مثال واضح: سوق الصالحين بسلا، الذي كلف أكثر من 42 مليار، وتحولت محلاته إلى وِزِيعة.
اندلعت شرارة حراك الريف بسبب مطالب اجتماعية صرفة، بعد أن ظلت مشاريع حيوية دون تنفيذ. المسؤولون والوزراء نزلوا لاحقًا إلى الشارع، رغم أن تقارير المشاريع كانت حبيسة الثلاجة لسنوات.
اليوم، الاحتجاجات في مدن الهامش ناتجة عن التلاعب واحتجاز مشاريع مهيكلة يمكن أن تغيّر حياة الناس. هذه المشاريع تُحسّن الصحة والتعليم والبنية التحتية، وهي أبسط الحقوق التي وجدت صدى قويًا لدى جيل زد.
لا يمكن الاعتماد على تقارير المجلس الأعلى للحسابات وحدها. رغم المال والمجهود المبذول، تتحول هذه التقارير إلى روتين سنوي يُستمع إليه دون إنتاج ملفات حقيقية تُزعزع منظومة الفساد.
51٪ من المشاريع المقدمة أمام الملك لم تُنجز. هذا كذب على الملك، ومن يكذب على الملك يمكن أن يتجاهل حقوق المواطنين طالما غابت المحاسبة..
الكذب يبدأ قبل تقديم المشاريع، عبر “تجميل” المدن والشوارع بالجير والصباغة قبل أي نشاط ملكي، وهو مؤشر واضح على غياب الحس المسؤول عند السلطة والمنتخبين.
التلاعب يشمل إخفاء الحفر، زرع النخيل والورود، العشب الصناعي، طرد المتسولين، وتغطية الروائح الكريهة، استعدادًا لاستقبال أي زيارة ملكية. هذه الترقيعات المكلفة ينتهي مفعولها خلال 24 ساعة، لكنها تمثل هدرًا فادحًا للمال العام، بينما المسؤولون يركزون فقط على أن يظهر كل شيء جميلًا للملك حتى ولو كان مزيفا.
المشكلة في المشاريع التي تبخرت ليست الموارد المالية، بل غياب المحاسبة وحس المسؤولية. معظم المجالس منشغلة بالصراعات الفارغة والبحث عن “مرق الصفقات الفاسدة”. الولاة والعمال يكتفون بحضور الأنشطة الرسمية، بينما تغرق مدن بأكملها في الفوضى والتسيّب طوال السنة…
لن نتحدث هنا عمن لبس “البوط” بعد التعليمات الملكية ليزور مناطق الفيضانات..
استرجاع ثقة المغاربة يتطلب الحد الأدنى من المعقول والكف عن الاستهانة بذكائهم: “راه كلشي عاق بيكم”.







