في خضم النقاشات الدائرة بخصوص التعديلات المرتقبة لمدونة الأسرة، أعاد مختصون بالشأن القانوني والقضائي تداول خلاصات قرار حديث صادر عن محكمة النقض بتاريخ 11 أبريل 2023، والذي أقر أحقية زوج في نصف عقار مسجل باسم مطلقته، استنادا إلى مساهمته في تمويل اقتنائه، معتبرا أن المرجعية القانونية قبل دخول المدونة حيز التنفيذ تستند إلى الفقه المالكي كما تحيل عليه المادة 400 من مدونة الأسرة.
القرار، الصادر تحت رقم 1/195 في الملف الشرعي عدد 2022/1/2/627، يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في ورش مراجعة المدونة، والمتعلقة بنظام الأموال المكتسبة أثناء قيام العلاقة الزوجية وحدود الإثبات وتقاسم الأعباء المالية بين الزوجين.
وتعود وقائع الملف إلى دعوى رفعها زوج أمام المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء سنة 2020، عقب تطليقه للشقاق، طالب فيها بإرجاع مبالغ مالية قال إنه كان يودعها بانتظام في الحساب البنكي لزوجته بغرض الادخار، وبإقرار شراكته في عقار يشكل بيت الزوجية ومسجل باسمها. وأكد أنه أدى مبلغ 300 ألف درهم بواسطة شيك بنكي لتمويل اقتناء الشقة، فضلا عن مبالغ شهرية اعتبرها مدخرات لا علاقة لها بالنفقة.
في المقابل، دفعت الزوجة بأن المبالغ المحولة كانت تندرج في إطار النفقة عليها وعلى طفليهما، وأن الشيك موضوع النزاع سُلّم لها على سبيل التبرع بمناسبة المراجعة بعد طلاق سابق، مشددة على أن تاريخ تحريره يتزامن مع تاريخ المراجعة سنة 2003، أي قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ سنة 2004، ما يجعل تطبيق مقتضياتها – بحسب دفاعها – غير ذي أساس قانوني، لكون القاعدة الدستورية تقضي بعدم رجعية القوانين.
المحكمة الابتدائية قضت باستحقاق الزوج نصف العقار، وأمرت بتسجيل الحكم بالرسم العقاري، وهو ما أيدته محكمة الاستئناف. وعند عرض النزاع على محكمة النقض، تمسك الطعن بخرق القانون والخطأ في التعليل، خاصة في ما يتعلق بتكييف تاريخ الشيك وطبيعة العلاقة الزوجية التي صدر في ظلها، وبمدى قابلية إعمال المادة 49 من مدونة الأسرة على وقائع سابقة لنفاذها.
غير أن محكمة النقض سارت في اتجاه مغاير، معتبرة أن البت في مساهمة أحد الزوجين في الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، حتى قبل دخول المدونة حيز التنفيذ، يجد سنده في المذهب المالكي والاجتهاد القضائي الذي يراعي تحقيق قيم العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف، وهي المرجعية التي كرستها المادة 400 بعد نفاذ المدونة. وأكدت أن قضاة الموضوع مارسوا سلطتهم التقديرية في تقييم وسائل الإثبات، خاصة بعد أن تضمن البحث إقرار الزوجة بأن ثمن الشقة أُدي بواسطة شيك بنكي يحمل اسم الزوج.
كما اعتبرت المحكمة أن الشيك حرر بتاريخ 25 غشت 2003، في حين أن المراجعة تمت بتاريخ 26 غشت من السنة نفسها، بما يفيد أن اقتناء العقار تم أثناء قيام العلاقة الزوجية، رافضة الدفع بكونه تبرعا مستقلا أو واقعة سابقة على المعاشرة الزوجية. وخلصت إلى أن القرار المطعون فيه معلل تعليلا سليما وخال من أي خرق قانوني، فقضت برفض الطلب.
ولا تقف أهمية هذا القرار عند حد النزاع الفردي، بل تتجاوزه إلى تكريس توجه قضائي يمنح للقاضي هامشا أوسع في إعمال المرجعية الفقهية والاجتهادية لسد الفراغ التشريعي السابق لسنة 2004، في غياب اتفاق مكتوب بين الزوجين بشأن تدبير الأموال، بخلاف ما تنص عليه المادة 49 التي تحث على توثيق الاتفاق المالي بشكل صريح.
وبين من يرى في القرار انتصارا لمبدأ الإنصاف ومن يعتبره توسيعا لتأويل قد يثير إشكالات على مستوى الأمن القانوني، يظل الثابت أن اجتهاد محكمة النقض يعيد ترتيب النقاش حول الذمة المالية للزوجين، في لحظة دقيقة يتشكل فيها أفق تعديل مدونة الأسرة، بما يحمله ذلك من رهانات قانونية ومجتمعية.







